الإستعداد العمراني الجيد لمخاطر الزلازل

الكاتب : محمد فندي

الزلازل لا توقع ضحايا عند حدوثها بل المنشآت العمرانية المختلفة المتأثرة بالزلازل هي المسؤول الأول عن قتل الناس كنتيجة لحدوث الزلازل. بناء على ذلك يسعى المختصون بهاذا الشأن في مسعى مشترك بين الهندسة الجيوفيزيائية والمدنية والمعمارية بسعي استيراتيجي لعزل المنشآت العمرانية المختلفة عن الإهتزازات الأرضية الناجمة عن الزلازل قدر الإمكان. على هامش أحد المؤتمرات العلمية قام ممثل شركتا غيتسنر وغيبر (GEZNER & GEBER) الألمانيتان بتصوير الأمر بمشهد تخيلي بتعليق المباني في مناطيد ثابتة حتى لا تتأثر بأية حركات أرضية.


إحدى الدروس المستفادة من نتائج أثر الزلازل على المنشآت جاءت على ضوء المشاهدات العينية لنتائج زلزال تشي تشي في تايوان عام 1999 اللذي كان بقوة 7.7 حسب مقياس ريختر، إذ تبين أن أي من الجسور التايوانية لم تتأثر بالزلزال باستثناء جسر واحد فقط مر الفالق الأرضي أسفله مباشرة. عدم تأثر هذه الجسور بهذا الزلزال المدمر جاء بفضل المخمدات المطاطية التي وضعت بين الأعمدة الحاملة وسبانات هذه الجسور. وجود هذه المخمدات المطاطية خفف كثيرا من اهتزاز السبانات بما جعلها شبه ثابتة على الرغم من اهتزاز الأعمدة.


حاليا يجري استخدام أنواع مختلف من المخمدات منها المطاطية والزنبركية والسنوبرصية (active mass dampers) او (passive mass dampers) الأكثر تعقيدا في المباني الكبيرة والأبراج، كما يستخدم أيضا في الأبراج الكبيرة العالية كتل معدنية بندولية كبيرة معلقة في أعلى قمة البرج تعمل على مبدأ قانون نيوتن الثالث لكل فعل رد فعل مساوي له في المقدار ومضاد له في الإتجاه كما هو الحال في برج 101 في تايبيه عاصمة تايوان بحيث يبقى المبني العملاق ثابتا. علما بأن هذه الكتلة المعدنية البندولية في برج تايبيه 101 صممت في الأصل لمواجهة تذبذبات هاذا البرج الناجمة عن الرياح بشكل عام لكنها تساهم أيضا بشكل جيد في تخفيف أثر الزلازل على البرج.


في سياق التخفيف أيضا من مخاطر الزلازل وتقليل أعداد الضحايا في المناطق الممكن أن تكون عرضة لزلازل كبيرة، ينبغي التركيز على سلامة مراكز التجمعات مثل المدارس والجامعات والمستشفيات والفنادق والمراكز الرياضية ودور العبادة (مساجد وكنائس) ومراكز التسوق، إضافة الى كافة المؤسسات التي تضم أعدادا كبيرة من العاملين بها والمراجعين. لذا يجب الجمع بين الخبرات المتراكمة من الدروس المستفادة من نتائج الحوادث الزلزالية السابقة والتطبيقات الفنية في تصميم وبناء هذه المراكز. ينبغي أيضا التركيز على سلامة المنشآت ذات الطابع الإستيراتيجي مثل السدود ومواقع توليد الطاقة. في اول سؤال موجه للدكتور والتر هيز (Walter Hays) من المساحة الجيولوجية الأمريكية (USGS) على هامش أحد المؤتمرات العلمية بهذا الخصوص ردا على سؤال وجه اليه من أحد الجضور حول مدى قابلية تعرض منشآت مدينته للمخاطر الزلزالية، كان جوابه أن يرسل له صورا توضح الأشكال الهندسية لمختلف مراكز التجمع في مدينته وخصوصا المدارس حتى يمكنه تقييم قابليتها للتعرض للمخاطر الزلزالية على افتراض تجانس البيئة الحاملة اسفل هذه المراكز.

لا شك أنه قد تجمع لدينا كم كبير حول أفعال الزلازل على مدى التاريخ الإنساني ساعدتنا كثيرا في فهم تباين فعل الزلزال من خلال تباين شدته من مكان لآخر، الأمر اللذي مكننا من فهم أكثر لطبيعة هذه الأمواج في مساراتها وصولا إلى أماكن تأثيرها وفعلها. في حادثة ينبغي التوقف عندها إذ لوحظ في أعقاب زلزال مدمر وأثره على منشأين متجاورين تفصلهما عن بضهما البعض بضعة امتار قليلة أن أحدهما كاد أن ينهار بينما المنشأ الآخر لم يتأثر مطلقا على الرغم من تجانس ظروف الموقع أسفل كليهما، علما بأن كلا المنشئين مقامان على رواسب رخوة منقولة تاريخيا ومعروف بقابليتها الكبيرة للتضخيم الموجي الزلزالي. اذن كان أثر التضخيم الموجي الزلزالي واحدا على كلا المنشأين. بعد التفحص المباشر لكليهما تبين أن المنشأ اللذي لم يتأثر قد روعي في بنائه تطبيقات هندسية فنية تحاكي ظروف الموقع سواء من حيث خصائص موقع البناء الحركية او تصميم المنشأ نفسه، في حين لم يراعى في بناء المنشأ الثاني أي من هذه المعايير سواء الهندسية أو خصائص الموقع ذاته، علما بأن أعمار كلا المنشأين واحدة.

من هذا المنطلق ينبغي عدم التهاون في تصميم وبناء مراكز التجمع والسدود ومحطات توليد الطاقة بالشكل اللذي تراعى فيه خصائص مواقع البناء وخصائص المنشآت الفنية التي تجعلها أقل قابلية للتأثر بالزلازل.