عاجل

قرار مفاجئ من وزير التربية والتعليم لكل طالب عند عودة الصفوف وتوضيح للمعلمين

مجلسُ نوَّاب سنة أولى

الكاتب : عمار البوايزة
المئةُ نائبٍ الجُـدد في مجلس النُّواب القادم ، ليسوا سنافرَ في السياسة ، كما يحلو للبعض أن يسمِّيهم ، ولن يجنح بهم قطارُ البرلمان ليغرِّدوا خارج السِّرب ؛ فأقرانهم الذين لملموا زَهابهم ومضوا ، ليتفرغوا إلى حياتهم المعتادة وأعمالهم ، لم يكونوا عباقرة تشريعٍ ولا سياسةٍ ولا خطابٍ ، ولم يولدوا موشَّحين بأوسمة ، فقد تتلمذ الكثيرُ منهم تحت القبَّة ، وغرفَ من معين العمل البرلماني وقوالب ومقالب السياسة لسنين القَــدَر الكافي ، الذي يؤهلهم لأن يكونوا ممثلين حقيقيين للشَّعب بكفاءة وتمرُّس ، وأن يتموضعوا بقوةٍ وثبات ورباطةِ جأش ومسؤولية ، وأن يكون لهم صدىً فاعلاً ومؤثّراً في الشارع.
 
اعتلا منابر مجلسُ النُّواب في الأردن ، منذ أول مجلسٍ في عام 1947م ، بعضُ الشخصياتٌ الوطنية والقاماتٌ البارزة ، التي كان لها دورٌ واضحٌ وملموس في العديد من المجالات ؛ حتى أصبحت جزءاً رئيساً من ذاكرة الدولة وتاريخها ، نظراً لما تمتعت به من الريادة والإحاطة والإلمام على مختلف الصّعد في مفاصل الدولة المختلفة ؛ ولعلَّ ذلك لم يأتِ إلا نتاجاً لمقتضياتٍ وعواملٍ عـدَّة ، أسهمت في صقل شخصية النّائب ، حتى وصل إلى المستوى الذي يجعله بيتاً للخبرة ، ومحترفاً في مجال السياسة والعمل التشريعي والبرلماني. 
 
ضخَّت إرادة الشّعب ما يفوق 75% من الدِّماء الجديدة في عروق المجلس القادم ، ليبدأ دورته الأولى وسلسلة حلقاته المتتابعة محكوماً بذات الدستور ، ونفس الركائز والثَّوابت التي يقوم عليها قانون البرلمان ؛ ولكنّه كغيره من البرلمانات السَّابقة لا يُعفى من مسؤوليته حيال الوطن والمواطن ، في ظل وجود تحدياتٍ وعوائق ومصاعب مصيرية ، تواجه الوطن على المستوى الدولي والمحلي ، وتلامس المواطن مباشرة ؛ وما دام الدستور هو ذاته ، وقوانين العمل في مؤسسة البرلمان لن تتغير بدخولهم تحت القبة ، فإنَّ الرِّهانُ هنا يبقى عليهم هم ، لا كوجوه ولجان برلمانية واعتباراتٍ مالية ، إنما كبراعةٍ وحنكةٍ ومقوماتٍ ، تمكّنهم من القيام بدور التشريع والرَّقابة على الهيئة التنفيذية ، بصورةٍ تُسعفُ وطننا بالخروجِ من عنق الزجاجة سالماً معافىً ، وتعينُ المواطنَ الذي تجرَّع ملمَّات وعواقبَ تلك الأوضاع المنهكة ، حتى وهن العظمُ منه ، واستمطرَ الشَّكوى من الشَّكوى. 
 
من هنا يبدأ النوابُ سنَتهم الأولى في البرلمان ، ومن هنا يجب عليهم أخذ الظروف كافة على محمل الجَـد ، ومن هنا يأتي النَّائب ثالث الأثافي للوطن والمواطن ، على هيئة تتعدى توظيف القبة للمناكفات والجدالات الشّخصية ، وتبادل الاتهامات وصُنع الزَّعامات ، وعلى مستوى رفيع يتجاوز تشريح الماضي وتسييح دمه فقط ، دون امتلاك القدرة على اطلاق المبادرات والأطروحات ، التي تحملُ في طيَّاتها العلاج الناجع لكلِّ ملفاتنا المتوقفة على إشارة المرور منذ أمدٍ طويلٍ.
 
منذ اللحظات الأولى لدخول النائب إلى المجلس ، تنطلق رحلته في ممارسة مهامه ومسؤولياته وواجباته ، مما يفرضُ عليه أن ينزلَ عن برجه العاجي مهما كانت رافعته ، الدرجة العلمية أو الثقافة العامة أو العلاقات الاجتماعية أو القدرة المالية ، فالجميع تحت قبّة البرلمان تلاميذٌ جدد في مدرسة السياسة والتّشريع ؛ الأمر الذي يحتم على كل نائبٍ أن ينهلَ المزيد المزيد من قراءةٍ متمعنةٍ للدستور ، وإطلاعٍ متمحصٍ لتاريخ الدولة وجغرافيتها ، وغوصٍ بارعٍ في سياستها الخارجية وملفاتها ، والوقوفَ وقفة الحاذقِ المفكر أمام كامل الأجندة الداخلية ، والقضايا والقوانين العاجلة والمؤجّلة ، وإدراك ماهية الخيط الرفيع الذي يربط كل هذه الفروع ببعضها ، وتعظيمه ، ألا وهو المصلحة العليا للدولة ، بكل جوانبها ، لوضع الآلية المناسبة التي تُسهم اسهاماً فعَّالاً في دفع عجلة النهوض والارتقاء.
ويتأتَّى ذلك من خلال وسائل عدّة يمكن للنائب الاعتماد عليها ، للقيام بالأعمال والمهـام الموكولة له ، وأذكر منها على سبيل التوضيح لا الحصر:
 
أولاً: الإلمام بالدستور الأردني ، وقراءة بنوده وتفصيلاته بعين المحلِّل الذي يربط تقاطعاته لا بعين الحافظ.
ثانياً: الاطلاع الكامل على النظام الداخلي للمجلس ولوائحه وأسس تشكيل لجانه ومهامها وواجباتها.
ثالثاً: الاسترشاد بخبرات وآراء النُّوابِ السَّابقين ورجال السياسة بشأن آلية وشؤون عمل مجلس النُّواب. 
ليس تقليلاً من شأن أي نائبٍ جديدٍ في البرلمان ، أنْ يزود نفسه بحصيلة معلوماتية ومعرفية تعينه على القيام بواجبه على أكمل وجه ، وأحسن صورة ؛ فالعمل النيابي لا يحتاجُ إلى فصاحة البيان وطلاقة اللسان والضّجيج الخطابي فقط ، من غير الاستناد إلى جوهر القانون وحيثياته والتّمكن منه ، فالنائب لا بـدَّ وأن يهيئ نفسه لملاطمة الريح بالبحث عن المعلومة الدَّقيقة واستنباط الحقيقة ، ليقدمها إلى الشَّعب ناضجة ، وهذا على مستوى الرَّقابة ؛ أما على مستوى التَّشريع ، فإنَّ هناك بونٌ واسع ، فمثلاً ليس كل النواب لا الحاليون ولا القُدامى متخصصون في المحاسبة والاقتصاد ، لكنهم يناقشون قانون الموازنة العامة للدولة ، كما يناقشون قوانين أخرى ذات علاقة بالشأن الداخلي كالبطالة وقانون الانتخاب والاصلاح الاداري والسياسي ، وكذلك الشأن الخارجي كالاتفاقيات الاقتصادية والسياسية وغيرها ؛ ولعلَّ مردُّ ذلك إلى مواصلتهم التّسلّح من بحور العلم ذات العلاقة ، ودأبهم المستمر بأن يكونوا ذوو فاعلية في البرلمان ، وليسوا خُشباً مسندة فيه أمام الشَّعب.