عاجل

حالة الطقس ودرجات الحرارة المُتوقعة في الأردن حتى السبت

الذكاء العاطفي .. د. منى بنت سالم الجردانية

 يشكل التفاعل الاجتماعي الذي يعيشه الطالب في المدرسة ركناً أساسياً في تشكيل جوانب شخصيته الاجتماعية والعاطفية، وتشكل غرفة الصف في حد ذاتها مجتمعاً صغيراً تتفاعل فيه عناصر متآلفة من طلاب ومعلمين في مناخ من الاحترام والتقدير والمودة والرحمة يسعون جميعاً لتحقيق أهداف وطموحات مشتركة، وبالطبع عناصر هذا المجتمع غير متكافئة في خصائصها، حيث أن الطلاب وهم الأصغر عمراً والأقل تجربة هم أكثر حاجة إلى المعلمين في تكوين اتجاهاتهم وتشكيل ملامح شخصيتهم وتطوير حصيلتهم المعرفية والمهارية، وتشكيل عواطفهم وإدارتها.

 
إن هذا الكيان الاجتماعي الذي يتعايش معه المعلم يومياً يقتضي منه أن يمتلك الذكاء العاطفي الذي يمكنه من إدراك عواطفه وإدارتها وبالتالي القدرة على تحديد عواطف طلابه وإدارتها، وننطلق في ذلك من المسلمة الأساسية بأن العواطف السائدة في غرفة الصف تنعكس على العملية التعليمية، وأن عواطف المعلم وانفعالاته تؤثر بشكل مباشر على عملية التفاعل وتؤثر على عملية التعلم، فعندما يقبل المعلم على الطلاب بود واهتمام ودافعية مستهلاً درسه بسؤال عن تجارب الطلاب السابقة المرتبطة بالدرس يمثل ذلك إيذانا بحصة درسية سلسة وناجحة.
 
والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق، كيف يتمكن المعلم من هذا النوع من الذكاء في هذا الزخم الهائل من العواطف التي يتعايش معها؟، وهذا يوجب التعامل مع الذكاء العاطفي بحكمة وروية، وهذا ما يأمرنا به ديننا الحنيف. فقد حذرنا الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام من الغضب حين قال: "ليس الشديد بالصرعة إنما الشدبد الذي يملك نفسه عند الغضب "ويعلمنا كذلك التوازن في التعبير عن مشاعرنا في الرخاء والمصيبة بالشكر والصبر حين قال عليه الصلاة والسلام: "...إن أمر المؤمن كله خير وليس ذلك إلا للمؤمن إن أصابته سراء فشكر كان خيراً له وإن أصابته ضراء فصبر كان خيراً له ".
 
ومن هنا فعلينا جميعاً كمعلمين أو أولياء أمور أن نتذكر أن هؤلاء الطلاب أو الأطفال ليسوا سبباً فيما نمر به من انفعالات وأنهم ليس في مقدورهم تفهم ما نعانيه من مشكلات ولا نتوقع منهم أن يقوموا بحل مشاكلنا أو تغيير أمزجتنا. وقبل أن نذهب إلى غرفة الصف أو نمضي في أي عملية تعليم أو تفاعل مع هؤلاء الصغار علينا أن نقوم بخطوات هامة تمثل مهارات أساسية في الذكاء العاطفي، ومنها تحديد العواطف التي نشعر بها في تلك اللحظة، والتأكيد للنفس أن هذه العواطف شأن شخصي ومسؤولية ذاتية لا ينبغي أن تنعكس على أدائنا أو تفاعلنا مع الآخرين خاصة الصغار، ومراقبة صيغ الحوار التي نستخدمها ومراعاة أن تكون إيجابية ولا تتأثر بالعواطف التي نمر بها، وهكذا فإن خطوات بسيطة كهذه تهدف إلى زيادة إدراك كل منا بعواطفه وعدم السماح لها بالتأثير على عمل العقل وبالتالي تقليل مستوى الإنتاجية.
 
ويقوم المعلمون في مدارسنا بالعديد من الإجراءات التي ترفع الذكاء العاطفي لدى الطلاب، فعلى سبيل المثال يمثل الاجتماع الصباحي التي تقوم به معلمات الحلقة الأولى حافزاً عاطفياً رائعاً للتلاميذ لبدء يوم دراسي جديد، ففي هذا الاجتماع يتحدث التلاميذ في بيئة اجتماعية يسودها الأمن والاحترام فيعبروا ببراءة عما يمرون من واقع داخل المدرسة وخارجها وتحفزهم هذه البيئة على التواصل الاجتماعي الهادف فتزداد ثقتهم بأنفسهم وبالآخرين. وهناك العديد من هذه الممارسات التي أصبحت الآن جزءاً لا يتجزأ من الثقافة الإدارية لكل من ينتمي لأي مؤسسة وبحسب علماء كثيرين فإن الذكاء العاطفي يصبح الفارق بين الفرد المنتج المؤثر وغيره من العاملين. سنفصل في هذه الممارسات في العدد القادم من رسالة التربية.
 
دمتم في حفظ الله ولنا لقاء.