٢٣ يوليو ثورة أم إنقلاب ؟ 


الكاتب : م. مهدي حنا

اليوم تمر هذه الايام الذكرى التاسعة والستين للحدث المصري الكبير الذي غير وجه مصر  وساهم في تغيير الخارطة الجيوسياسية في دول المنطقة على مدار العقود الماضية .  لقد اصطلح على تسمية هذا الحدث بالثورة وليس الانقلاب . دعونا نتناول المسألة من الناحية السياسية البحتة في تعريف ما هو الانقلاب وما هي الثورة وحيثيات ومدى نجاح كل منهما في نفس الظرف التاريخي للحدث. 

 
من الناحية السياسية ، إن تعريف  االثورة هي فعل ديمقراطي يعبر عن ارادة الأغلبية بمعنى انها عمل شعبي طبقي الجوهر بقيادته ولكنه يعبر عن الأغلبية حتى ولو كانت قيادته طبقة الأقلية. بمعنى اخر عمل شعبي عام وقيادته طبقية ، هي هبة شعبية منظمة بحركة سياسية واعية تستند في مبادئها على نقطة مركزية ألا وهي التغيير والتحول نحو مبادئ اجتماعية  واقتصادية بالدرجة الاولى . قد تختلف في خصائصها الاجتماعية لكل فئة ومن حضارة لحضارة لكنها تتفق على تغيير واقع الحياة المزري الذي وضعته تلك الدكتاتوريات بما عاثته من فساد ضد الشعوب.  فالثورة تسند في بدايتها إلى حزب ثوري يقودها ولديه برامجة السياسية ولديه  برنامج محدود  ثوري لنجاحها . أما الخطط والبرامج الاصلاحية الاجتماعية والاقتصادية تأتي في المراحل اللاحقة للثورة. فالثورة البلشفية المجيدة  على سبيل المثال التي قادها  لينين كانت اهدافها محدودة صاغها في ثلاث نقاط وهي : إقامة السلام وإعطاء الاراضي للفلاحين والسلطة للعمال وذلك لتحقيق المساواة بين كافة طبقات الشعب من جميع النواحي والقضاء على الرأسمالية . أما برامج الثورة المفصلة فجاءت تباعاً
 
اما الانقلاب  سواءً كان عسكرياً أم مدنياً فهو ازاحة مفاجئة بفعل مجموعة تنتمي إلى مؤسسات الدولة عادة ما تكون الجيش وتنصيب سلطة غيرها سواء كانت مدنية ام عسكرية . ونسبة نجاحها هي ٥٠٪؜ . ا فهو عمل فوقي قد يعبر عن ارادة شعبية او ديكتاتورية ويتحدد ذلك بطبيعة الإنتماء الطبقي لقادة الانقلاب او الانتلجنسيا المعبرة عنة. وقد يتحول الانقلاب الى ثورة او فعل شعبي طبقي حسب طبيعة القائمين علية وانتمائهم الطبقي. وبالعادة قيادة كبار الضباط وارفعهم رتبة تظل تتمحور  حول القديم ولا تسعي إلى التغيير ، اما صغار الضباط الذين ينتمون للانتلجنسيا والبرجوازية الصغيرة فقد يتارجحون فترة قبل ان يدركوا المصالح الشعبية وقد لا يحصل ذلك ابدا . وهذا ينطبق تماماً على  النظام المصري بالتحديد. دعونا نستعرض ذلك تقنياً كانت هذه حركة انقلابية كانت تقودها مجموعة من الضباط الوطنيين  الصغار الذين اتفقوا على برنامج مصغر من ستة نقاط بسيطة تعبر عن الحاجة إلى التغيير  وكانت كالأتي: 
١. القضاء على الاستعمار
٢. تصفية الاقطاع
٣. القضاء على الاحتكارات وسيطرة راس المال على الحكم
٤. إصلاح الجيش بإتجاه وطني 
٥. تحقيق العدالة الاجتماعية 
٦. اقامة نظام ديمقراطي سليم
كان هذا البرنامج  بسيطا في محتواه لكنه عاماً للاستقطاب والقبول ، وبنفس الوقت يعتمد نجاح الانقلاب على قوة الاشخاص المنفذين  المشاركين سواء انتظموا ضمن تنظيم مؤقت لتنفيذ الانقلاب او حتى كأفراد ، وبغض النظر عن تجانسهم الفكري فالسلطة اغراء وحكم الافراد يختلف عن الحكم الجماعي للحزب الثوري . ولو ان التاريخ اثبت ان حكم الاحزاب في بعض الاحيان كان دكتاتورياً نوعاً ما    
إلا أن سياسات الحزب والتنمية والدولة استمرت . فالثورة الروسية كمثال ايضاً بفضل حزبها الثوري و العقائدي نقلت روسيا من دولة إقطاعية إلى قوة عظمى في فترة محدودة من التاريخ البشري وهذه تعتبر انجازات ثورة عظيمة غيرت مفهوم التاريخ ولم تنتهي الثورة بموت لينين عام ال١٩٢٤ بل استمرت وازدهرت وانتصرت بحرب عظمى واصبحت قوة سوبر بور في مقابل الولايات المتحدة ما بعد الحرب وساهمت في مساعدة العديد من الشعوب ودعمت العديد من الثورات في العالم في نضالها ضد الاستعمار ومن اجل استقلالها الوطني . فهذه هي الثورة بالمفهوم السياسي الحقيقي ، فالثورة تؤسس لنهج سيستمر ولا يعتمد علئ كاريزمية القائد . 
 
فلنعود إلى ما اصطلح هلى تسميتها بالثورة في الادبيات السياسية العربية ، فبعد نجاح الانقلاب اطلق الضباط الاحرار  على الحركة الانقلابية ثورة ٢٣ يوليو  ومنذ ذلك التاريخ  اصبحت ثورة و صاغ الكاتب هيكل برامج الثورة الذي  كان قد كتبه عبدالناصر واعاد هيكل صياغته في  كتيب صغير اطلق عليه  فلسفة الثورة. هذه الثورة قامت بانجازات هامة على الصعيد المحلي واولها كان قانون الاصلاح الزراعي والتأميم وطرد الملك وتحويل الحكم من ملكي إلى جمهوري . لكن هذه الثورة بكل انجازاتها لم تستمر لانها اعتمدت هلى شخصية ناصر الشعبوية.  فلم يستطع عبدالناصر أن يخلق جيلاً قائداً  ممن آمن به . إن غالبية دول العالم تبدو أزمتها الديمقراطية في زعامة الحاكم الواحد والحزب الواحد ، وسيطرة الصفوة القريبة من الحاكم سواء من العسكرين او المدنيين او رجال المخابرات على قاعدة الولاء للحاكم وليست على قاعدة الكفاءة  ، على الرغم من أن نظام يوليو ساهم بشكل فعال في دعم حركات التحرر في العالم العربي ضد الاستعمار ولكن المشكلة الرئيسية في نظام يوليو انه اعتمد على زعامة الرئيس عبدالناصر  ونضوج فكره السياسي الذي مر في عدة مراحل  وهي : 
 
المرحلة الاولى : من  مؤتمر باندونج  عم 1955وحتى نهاية عام 1958 
هذه الفترة كانت هامة بالنسبة لعبدالناصر وتشكل فكره السياسي وذلك لاستعداده للعمل ضد سياسات الاستعمارات المختلفة وكانت تلك سنوات الصعود لعبدالناصر والتي تأسست من خلالها حركة عدم الانحياز التي اعطت زخماً ثورياً نحو الانحياز الايجابي اي مقاومة كافة اشكال الاستعمار وكانت انجازاته العامة على الساحة المصرية في تلك الفترة وتبلورت في استعداء الغرب وتأميم القناة
 
اما المرحلة الثانية فهي مرحلة رومانسية فكر القومية العربية للفترة الممتدة من -1958-1961
كانت هذه الفترة مهمة ومكمله للفترة الاولى لنضوج فكر عبدالناصر وخاصة انه استطاع ان يبلور الفكر القومي الخاص به واحلام الوحدة العربية التي تناغم بها وخطب ود الجماهير في الشارع العربي من محيطه إلى خليجه ودغدغه باحلام وردية من دون ان يكون لديه خطة محددة لتحديد ذلك . وفشل في اول محاولة وحدوية بين مصر وسوريا والتي لم تعمر طويلاً . لقد اهمل ناصر  ماهية الصراع الطبقي ونصب نفسه فوق الاحزاب وحاول فرض تنظيمات شعبية والتي فشلت جميعها لان قادتها في الاساس لم يكونوا مهيئين ومؤهلين للعمل السياسي وكان يتم اختيارهم على قاعدة الولاء كما انه لم يكن هناك برنامج واضح لهذه المنظمات المختلفة. 
 
المرحلة الثالثة : الفكر الاشتراكي وسياسة التأرجح بين الغرب والشرق في الفترة الممتدة بين 1961-1967
 كانت هذه الفترة من اصعب سنوات الصراع في سنوات الحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الاميركية ، ولكن اشتراكية ناصر كانت ساذجة بما عبرت عنه في تحالف قوى الشعب العاملة بدلاً من الصراع الطبقي ، فلم تكن هذه الاشتراكية العربية مبنية هلى اسس سليمة ومدروسة على الرغم من تقدمية قرارات عبدالناصر إلا أن النهج الاشتراكي في التطبيق جاء من قيادات التنظيمات الشعبية ذات التوجهات غير الاشتراكية مما جعل تطبيق القرارات مسألة بيروقراطية للغاية فهم من جهة ينفذون رغبات عبدالناصر ، وبنفس الوقت لا ينتمون طبقياً الى الفئة التي سوف يخدمونها كما انهم ذوي تطلعات برجوازية وغير مؤطرين ولا يحملون نفس الفكر  حتى جاءت القرارات فوقية فهم لم يسعوا لرفع مستوى الوعي السياسي لدى الجماهير واعطاء احزابها الفرصة في المشاركة في القرار السياسي . فغياب الاحزاب والحد من نشاطها ساهم بشكل فعال في ارغام الجميع على الانتساب للتنظيمات الشعبية التي كانت محصورة على الضباط ورجال الدول ومؤسساتها والمدنيين المقربين من السلطة مع بقاء تغيب الجماهير  . وكان هناك اوجه قصور في سياسات عبد الناصر المتناقضة فهو من كان يسعى الى الاشتراكية من دون ان يؤسس للنهج الاشتراكي ، وكان يعادي الاشتراكيين الحقيقيين ، كانت احادية فكر عبد الناصر او ديكتاتورية النظام العسكرية هي المسيطرة على فكر عبدالناصر  وبقي رهين له طول عمره ، فالفكر العسكري لا يقبل الفكر الآخر ، ولا مجال عنده للنقاش او الجدال. كانت هذه بداية النهاية وسياسة السير نحو الهاوية وتتوجت في هزيمة النظام المصري ككل في مواجهة العدو الصهيوني والغرب والفساد والرجعية العربية والسياسات غير المدروسة والتي افضت ألى ما حصل . 
 
المرحلة الرابعة : فكر عبدالناصر ما بعد الهزيمة ورفض الهزيمة
جاءت الصحوة بعد الهزيمة وتنبه عبدالناصر إلى كافة المشاكل وبدأ ينظر إلى الموضوع بمنظار اكثر واقعية ،فتخلى عن سياسة ازدواجية التعامل مع الغرب الامبريالي والشرق الاشتراكي على قاعدة محاولة كسب الطرفين ، فقطع علاقاته مع الولايات المتحدة وحصر تعامله مع المعسكر الآخر وتخلى عن حلم الوحدة العربية والقومية العربية التي اكتشف عدم جدواها في ظل الظروف المحيطة التي فرضتها سياسات الاستعمار الجديد ضد دول العالم الثالث . ركز على اعادة بناء القوات المسلحة وتغير فكره واصبح اكثر نضوجاً في فهمه لطبيعة الصراع في المنطقة ، ألا أنه للأسف بقي وحيداً في تفكيره واتخاذه للقرارات السياسية ولم يؤسس لنهج سياسي قد يستمر بعده ، وتلك كانت ابرز اخطاء عبدالناصر والذي توارت كافة انجازاته بعد مغيبه عن الساحة . فالعسكريون الساسة ، كالعسكريين القادة لا يعترفون إلا بانتصاراتهم الشخصية ويعتبرون ان التاريخ يبدأ وينتهي بهم . وهكذا كان 
وعليه فمن الصعب ان يطلق على نظام يوليو ، ثورة يوليو ،  فالثورة تستمر لاجيال وتؤسس نهجاً ثورياً قادراً على التطور والعطاء. أما في حالة النظام المصري فلم تكن ثورة حقيقية على الرغم من انجازات زعيمها العظيمة إلا انها لم تتعدي فكره وشعبويته وانتهى عملياً النظام بعد موت الزعيم