عاجل

الحكومة تلغي قرار من أمر الدفاع.. ولرئيس الوزراء تعديل البلاغ

عيون للحب في ساحة الحرب...توفيق قريرة


يبدو أن العين ليست، ومن الناحية الجمالية، موضوعا للعشق فقط. قد تكون العين موضوعا للحرب، ولطالما كانت العين كذلك؛ فحتى في عين العشق نفسها شيء كثير من الحرب. في البيت الشهير الذي ينسب إلى عنترة (رمت الفؤاد مليحة عذراء // بسهام لحظ ما لهن دواء). يبدأ الجمال وينتهي بعين تشن على رائيها المتيم حربا ضروسا لا تنتهي إلا بقتله. هل ينبغي للعيون التي تسبينا أن تقتلنا؟ وهل ينبغي لنا كي نعشق أن نخوض حربا نكون فيها منزوعي السلاح، ونقتل فيها بألف سلاح؟ العشق أعظم من أن يحيطه معنى، وقد يجد كي يكتسب المعاني في الحرب خير ملجأ، عندها تكون العيون في مفترق طرق الحب والحرب.
في التصور النفسي العرفاني للدلالة فكرة تقول، إنه لا يمكن أن تتعامل المعاني إلا إذا كان هناك شيء ما يتيح لها أن تتعامل إدراكيا. بعبارة مبسطة لا يمكن أن يحدث تشبيه العين بالسلاح في سياق الحديث عن معنى العشق، إلا إذا كان هناك في مستوى إدراكنا البشري ما يتيح لهذين المعنيين أن يتعاملا. فلم ينم الإنسان ثم استيقظ فجأة ليجد في ذهنه معنيين متعاملين دون أن يكون بينهما نوع من التعامل الممكن.
الحب والحرب يبدوان في الظاهر تجربتين متناقضتين كأشد ما يكون التناقض. الحب لا يكون إلا حين يخيم الوئام ويكون السلام، والحرب لا تكون إلا حين تسود العداوة وتصل حد التقاتل. تجربتان مختلفتان لا تلتقيان، فإن حدث ذلك فذلك من باب العجيب أو من باب الخيانة. لا يمكن أن تنشأ علاقة حب بين متحاربين إلا لتصنع مأساة من شكل آخر، إذ لا يمكن أن يثمر هذا الحب إلا عبثا.. فهل يمكن أن يحب المرء قاتله؟ يمكن أن يحب المرء قاتله في العشق، بل لا ينشأ الحب إلا من عين قاتلة وقتيلها يقول: لا قاتلها الله.
في كتاب بالفرنسية صدر عام 2013 عنوانه «الحرب في العيون» يعتمد المؤلفان على عين العدسة لنقل تفاصيل الحرب في عدة بلدان دارت فيها طواحين الحرب وتدور. بيار شندويرفر Pierre Schoendoerffer أحد المؤلفيْن وهو مخرج وروائي وكاتب سيناريو فرنسي (1928- 2012) وعضو أكاديمية الفنون الجميلة، يشير إلى أنه ينبغي للعين أن تتعلم ما تختاره للعدسة؛ لكن ليس يسيرا أن تختار من تصور في الحرب، هل تصور هذا الشق أم عدوه: بمجرد أن تقف كي تلتقط صورة، ستكون منتميا، رغم أنفك، إلى فريق فتكون عدوا لفريق وصديقا لآخر، وأنت لا ناقة لك في هذه الحرب ولا جمل. حين تكون في خانة معينة، فما تراه في الخانة الأخرى يسمى عدوا بالنسبة إلى من أنت بين ظهرانيهم، وحتى بالنسبة إلى العدو نفسه، أنت في موقعك أنت عدو لذلك يقول: «إن رأيت العدو، رآك العدو وبادر بإطلاق النار». مرة أخرى تأمر العين المحارب في الضفة الأخرى أن يطلق النار على عين تراه لا لشيء إلا لأنه في الضفة الأخرى، ضفة العدو.. لا تستطيع أن تكون وأنت في الضفة الأخرى لا عدوا ولا صديقا أنت مصنف مع من هم في الضفة الأخرى.. الإدراك لا يرى المشهد إلا في كليته: إنه جشطلت بناء المشهد الكلي لا يحتفي بالتفاصيل عندما لا يكون هناك وقت للتفاصيل. إما أن تُحَوْسِبَ العين جيدا وترسل الأوامر إلى الدماغ بأخذ القرار، وإلا صارت هي موضوع خيانة، لأن الخيانة تبدأ بحوسبة خاطئة: إن العين التي ترى ليست عدوا وليست حبيبا هي محايدة.. يمكن أن تخدع العين جسدا بأسره فيأتيه الرد بخرطوشة قاتلة.

هذه النتيجة نفسها يصل إليها المؤلف الثاني باتريك فورستياي Patrick Forrestier الصحافي والمخرج، إذ يرى أن «الحرب معركة ضد عدو واحد على الأقل. لا يمكن أن تغطي حدثا دون أن تكون مع المتحاربين في شق، في لبنان في البوسنة، في نيكاراغوا في غزة في ليبيا في الصومال وفي العراق وفي غيرها، كان الأمر كذلك معي ومع غيري. من الصعب أن تحكي عن الحرب من غير أن تكون مع نصير لهذا الشق المحارب أو ذاك».
تحدث المؤلفان عن العين في وضعية الحرب. العين التي تنقل الأحداث بالعدسة هي عين يطلب منها الحياد، غير أن العين لا يمكن أن تكون كذلك، ولا سيما في ساحة الحرب، فهناك عين أخرى تراها لتعتبرها صديقا أو عدوا. هناك شيء في بناء الوضعيات بالكلام أو بالصورة يسمى زاوية النظر، لو أرسل المصوران عدستيهما في ركن من أركان الوقيعة لالتقطا لنا صورا من زاوية نظر معينة. سترى أعيننا ونحن نتأمل الصور من الزاوية التي نظر من خلالها المصور، عندئذ هل ستكون عيناه محايدتين؟ بالطبع لن تكون كذلك فهي ستختزل المشهد من زاوية نظر وتخفي البقية، عندها ستخدم شقا من الحرب دون آخر.
في الحرب لا يمكن أن تراك عينٌ ما من غير أن تصنفك.. العين لا ترى الأشياء بحياد. وظيفة العين أن تنقل ما تراه من أشكال وألوان إلى الذهن، ليعيد بناءها ويمقولها ويتعرف عليها، اعتمادا على ما يعرف في علم النفس بالمعالجة المتوازية، لكن العين وهي تنقل تلك المعلومات لتمقولها، تنقلها بشيء من العاطفة والشعور، أو لنقل وبشكل دقيق، إن الذهن هو الذي يعالجها وينشطها بذلك الشعور. العين التي ترى هي كعين محارب لا يمكن أن يصنف من يراه بحياد. في الحرب لا يمكن أن تراك عين من غير أن تصنفك، وكذلك الشأن في كثير من أحوال الحياة العادية.
لنعد إلى بيت عنترة، وإلى عين رمت عاشقها بنصل لا حياة بعده، لنعد الصورة إلى أولها هل كانَت المرأة التي ترى كمن يرى مصورا في الحرب يريد أن يتموضع ليأخذ صورة عن مشهد؟ وهل كان الواصف يخشى أن تصطاده عين تراه بعين عدو؟ كأن الأمر واقع كما وقع. ستنظر المرأة إلى هذا الغريب بحس أو بشعور. عيون الناس وهي ترانا رؤية منتبه مسلط عينه علينا، وكأننا بؤرة إدراك عظمى لن ترانا بحياد.. هي تصنفنا في خانة انطباعية ما. والعين القاتلة لم تكن كذلك إلا في عين من وزن الرؤية، عين المرئي لا الرائي.. وقف في موضع وجعل نفسه نصب راءٍ اعتقد أنه قاتله، لا لأنه في خندق الأعداء بل لأنه في خندق الأحبة، الذي لا جمع فيه، بل كل من فيه قلب مفرد ينتظر أن تقتله عين بلا سلاح.
هو يرى عينا تصطاد كما تصطاد، تشل حركة فريستها ثم تلفها بخيوطها حتى تتمكن منها، ثم بعد ذلك تقتلها. هي عين ترى فترمي بمجرد أنها ترى هذا الواقف بسهمها وتسبي غيرها في هذه المرحلة يمكن أن تقاوم العين الأخرى التي ترى ويمكن أن تستسلم فلا تقوى على الواجهة. قدر الحب كقدر الحرب من له السلاح الأقوى يكون المنتصر، وقدر الحب كقدر الحرب إنه معركة يمكن أن نخوضها لأجل غيرنا. في الحب كما في الحرب أنت تقف في صف ما وهذا الصف لن يكون محايدا مهما كان موقع الواقف فيه. أول أحوال الحرب كانت من أجل أن يحب المرء شيئا افتكه منه غيره، أو هو بصدد افتكاكه منه قد يكون الشيء عينا جميلة يراد لها أن تدخل بالحب بيت الطاعة، لكن بيت الطاعة لا يدخل في الحب طوعا بل كرها. ترسل العين أولى سهامها لتتأكد لا من النجاة، بل من الوقوع في الشراك. الحب رشق بالسهام زمن الحرب بالسهام.. وحين تتطور الأسلحة يتطور الحب أيضا.