عاجل

استمرار تعليق الدوام الوجاهي - تفاصيل

ماذا بعد تحالف أوكس .. أحرب عالمية ثالثة ؟


الكاتب : بكر السباتين

أبرم مؤخراً الاتفاق الثلاثي أوكس بين أمريكا وبريطانيا وأستراليا، القاضي بتقديم المساعدة الفنية الحساسة لبناء ثماني غواصات تعمل بالطاقة النووية في إطار تعاون عسكري وأمني واسع وبتكنلوجيا أمريكية حساسة.. في إطار الاستراتيجية الأمريكية لمواجهة "الخطر الصيني".

وحدد الرئيس الأمريكي جو بايدن هذه السياسة في سياق كلمته منتصف مايو 2021 في أن "وزارة الدفاع (البنتاجون) ستراجع استراتيجيتها تجاه الصين، بالنظر في مجالات حيوية تشمل المخابرات والتكنولوجيا والوجود العسكري الأمريكي في المنطقة".
مكملاً، في أنه" سوف تكون المراجعة ضمن عدة مراجعات أخرى يقوم بها البنتاجون بالفعل وتتراوح ما بين القوات المنتشرة في الشرق الأوسط (وهذا يفسر الانسحابات من الشرق الأوسط) وحتى السياسة تجاه حلف شمال الأطلسي (بدلالة عدم مشاورة فرنسا بالصفقة كونها أضرت باقتصاده).
ويحتدم الخلاف بين الصيم وأمريكا على عدة قضايا مثل التكنولوجيا وحقوق الإنسان والأنشطة العسكرية الصينية في منطقة بحر الصين الجنوبي المتنازع عليها، حيث يتبادل البلدان الاتهامات بتعمد انتهاج سلوك استفزازي.
ويعلم المراقبون بأنه ليس سهلاً على تكتل الدول الناطقة بالإنجليزية (أوكس) الموجود في بحر الصين، قيامه بتطويق العملاق الصيني في محيطه الإقليمي أو فرض القيود عليه، حتى لو ضم هذا التحالف الثلاثي دولتين كبيرتين بوزن أمريكا وبريطانيا، كونهما بعيدتين جغرافياً عن ميدان الصراع في تلك المنطقة الملتهبة، لتبقى أستراليا وحيدة في واجهة الحدث، والتي لا تستطيع مشاغلة دولة عملاقة كالصين ما فتئت تحاول فرض سيطرتها على المنافذ البحرية في بحر الصين الذي يشكل جزءاً من مياههما الإقليمية، من باب الأمر الواقع .
 وكانت أمريكا منذ عهد الديمقراطي أوباما، حينما كان جو بايدن وزيراً للخارجية، تحاول أن ترسخ قدمها في أستراليا في إطار تعميق التحالفين القائمين في بحر الصين وتوسيع أهدافهما، وذلك على النحو التالي :
أولاً:- الاتفاق الأمني الرباعي المبرم في الفلبين عام 2007، ويضم: الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا والهند واليابان. والذي يستهدف الصين مباشرة من النواحي: الأمنية والاقتصادية، وحقوق الإنسان من خلال مراقبة انتهاكات الصين في هونكونغ وإزاء الأقلية المسلمة في الإيغور والتلويح باستعادة تايوان في العام 2049 والتمهيد لذلك عبر خطوات "مستفزة" على الأرض. 
ثانياً:- اتفاق "العيون الخمس الاستخباري" الذي يضم الدول الناطقة باللغة الإنجليزية: أستراليا وبريطانيا، والولايات المتحدة، بالإضافة إلى كندا ونيوزلندا.. وهو تحالف استخباراتي أنشئ بعد الحرب العالمية الثانية في أتون الحرب الباردة بين معسكري الأطلسي الغربي والناتو الشرقي، أي أن أهدافه كانت منحصرة بالتمدد الشيوعي من خلال أذرع الاتحاد السوفيتي في بحر الصين.
ومؤخراً، توسعت أهداف "العيون الخمس" ميدانياً؛ لتشمل الصين، نظراً لخطورة ممارساتها الجيوسياسية في تلك المنطقة التي تشهد صراعاً خطيراً قد يصل إلى حدِّ إشعال فتيل الحرب العالمية الثالثة التي يتنبأ بها الخبراء الدوليون وعلى رأسهم هنري كيسنجر. 
والسؤال الذي يراود المراقبون:
لماذا أستراليا تحديداً، ولم يضم الاتفاق دولة ناطقة بالإنجليزية وتقع قريباً من بحر الصين مثل نيوزلندا، أو حتى كندا، في إطار تطوير اتفاق "العيون الخمس الاستخباري"، لتنبثق عنه اتفاقيات سياسية واقتصادية،  ولا بأس من توسيع دائرة العضوية لتضم أكبر حلفاء أمريكا في المنطقة وأشدهم عداوة للصين، مثل الهند واليابان؟
في الحقيقة أن التحالف المنشود في تلك المنطقة لا بد وأن يكون وفق المنظور الأمريكي جاداً وقادراً على التصدي للمشروع الصيني فلا ينفرط مهما كانت الظروف.
 والتجارب الأمريكية مع الدول المنضوية في الاتفاقين الذَيْن سبقا "أوكوس" جعلت واشنطن تستقر على حليفها التاريخي بريطانيا، والحليف الآخر الذي ما يزال خاضعاً للتاج البريطاني، أستراليا، أي أنه حلف أنجلوسكسوني.. فلا تنطبق شروطه-مثلاً- على الهند أو اليابان.
أما بالنسبة لنيوزلندا فهي لن تخرج استراتيجياً من عباءة التحالف أوكس الأمنية بطريقة غير مباشرة، ولكنها بالمقابل، لن تحظى بثقة أمريكا كونها  انسحبت آخر المطاف من تحالف "العيون الخمس الاستخباراتي"؛ لرفض وزيرة خارجية نيوزلندا المشاركة في الإدانة الغربية لبكين وخاصة فيما يتعلق بحقوق الإنسان، قائلة إنها "غير مرتاحة" لتوسيع دور التحالف للضغط على الصين بهذه الطريقة.. ما يعني أنها تسعى إلى تحقيق التوازن الاستراتيجي في بحر الصين، فالعملاق الصيني يمتلك نواة أي إعصار عاصف في تلك المنطقة الملتهبة، ولا يمكن تجاوز مكانته وخصوصاً أنه بات يمتلك -تقريباً- خطوط التجارة البرية عبر طريق الحرير نحو الشرق الأوسط والشمال الغربي (دول الاتحاد الأوروبي)، ويحاول فرض الأمر الواقع من خلال سيطرته على الطرق البحرية في بحر الصين المرتبطة بالمحيطين الهندي والهادي.. الأمر الذي يهدد الأمن القومي لدول تحالف أوكس وفق حساباتها.
أما كندا، فقد أدخلها رئيس وزرائها جاستن ترودو في أزمة ثقة  مع الولايات المتحدة لانتهاجه سياسة خارجية مستقلة عن واشنطن، تجلت في جانبها الاقتصادي بعدم حظر كندا، الجيل الخامس من هواوي  الصيني، وفق الاستراتيجية الأمريكية التي أشعلها ترامب واستمر على نهجها جو بايدن .
ويكمن سر تعنت أمريكا في اختيار  حلفائها ضمن أوكس في أن التكنلوجيا التي ستحظى بها تلك الدول حساسة جداً.
 فبموجب هذه الاتفاقية سوف تمنح الولايات المتحدة وبريطانيا لأول مرة تكنولوجيا ضرورية لأستراليا لبناء غواصات تعمل بالطاقة النووية، ناهيك عن تكنلوجيا الصواريخ البالستية مثل كروز الذكي، وصواريخ بتريوت المضادة للصواريخ، وطائرات البرون، والرادارات وغيرها.
وجاء الموقف الصيني متوقعاً إذ لم يبد حماسه للدخول في حرب باردة متصاعدة مع تحالف تقوده أكبر دولة في العالم، الولايات المتحدة.. وهذا لا ينفي بأن الحرب الباردة بين العملاقين كانت قائمة منذ زمن، ودوافعها متصاعدة،.
وفي سياق الرد الصيني، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، تشاو ليجيان، بأن التحالف يخاطر "بإلحاق أضرار جسيمة بالسلام الإقليمي... وتكثيف سباق التسلح".
وكانت لهذه الاتفاقية الأنجلوسكسونية انعكاسات سلبية على علاقة أمريكا بحلفائها التقليديين سواء في الاتحاد الأوروبي أو الشرق الأوسط.
 من جهتها، تكبدت فرنسا من جراء إبرام هذه الاتفاقية خسائر طائلة بسبب  إلغاء الطرف الأسترالي عقداً معها ببناء اثنتي عشرة غواصة تعمل بالديزل بقيمة تزيد عن الستين مليار يورو وهذه خسارة فادحة على الصعيدين المعنوي والمادي.
فهل يؤدي ذلك بفرنسا وربما دول الاتحاد الأوروبي إلى خيارات من شأنها أن تقلق أمريكا؟ مثل تطوير العلاقة مع روسيا أو فك الحصار ولو بشكل جزئي عن إيران، وعلى المدى البعيد، الانفتاح على الصين لتعويض الخسائر التي نجمت عن اتفاق أوكس! ما دامت المصالح هي التي توجه العلاقات بين دول العالم!
وعلى صعيد الشرق الأوسط، فإن اتفاقية أوكس، جاءت لتفسر الكثير من القرارات والإجراءات الأمريكية المبهمة في الإقليم وقد أثارت عاصفة من الأسئلة المبهمة، وصدمت حلفاء أمريكا التقليديين في المنطقة وبخاصة السعودية. بدءاً من الانسحاب الأمريكي العسكري المفاجئ من أفغانستان، 
كذلك التراخي  إزاء التصلب الإيراني الرافض للعودة إلى الاتفاق النووي بالشروط الأمريكية والصهيونية المعلنة.. وغض الطرف عن محور المقاومة وبخاصة أنصار الله الحوثي الذين يرسلون طائراتهم المسيرة إلى العمق السعودي حيث منشآت أرامكو التي تضررت من جرائها، فتقوم أمريكا بسحب بطاريات باتريوت من السعودية وترك البلاد دون غطاء جوي أمريكي، وكأن ما دفعته الرياض للرئيس السابق ترامب من مليارات؛ ذهبت أدراج الرياح في عهد جو بايدن الذي يحمل شعاري: "أمريكا أولاً" و"الصين الأولى بالمواجهة" .
ولا ننسى أيضاً قيام أمريكا بالانسحاب التدريجي من المشهد العراقي  وترك البوصلة العراقية في يد حلفاء إيران داخل العراق، وموازين القوى تساعد في ذلك.. كذلك اطلاق أمريكا التهديدات الجوفاء ضد الإيرانيين بالرد الجماعي على خلفية اتهامها المتكرر بالتسبب بالتفجيرات الغامضة التي أصابت بعض السفن الإسرائيلية في خليج عمان. وأخيراً الرضوخ لتهديدات حزب الله تجاه كل من تسول له نفسه بعرقلة وصول منتجات النفط الإيراني المحملة على متن سفن إيرانية إلى بيروت، ويبدو أن الحزب نجح في ردع أمريكا وتل أبيب، فيما وبدأت الصهاريج في نقل مشتقات النفط الإيراني إلى بيروت.
وأخيراً.. يبقى السؤال يلوح في الأفق.. ماذا بعد تحالف أوكس! هل نحن على مشارف حرب عالمية ثالثة محتملة! أم أنها حرب باردة استنزافية ستضع الاقتصاد العالمي على محك الأزمات!