اسم الله الرؤوف .. عبد اللطيف مهيوب العسلي


سبحانك رؤوف أنت : برأفتك ربيت النطـف في الأرحام ووقيتـها الأعراض والآلام والأسقام، إلى أن بلغت إلى التمام، وانتظمـت في سـلك ذوي العقول والأفهام .\1
  تعرف الرأفة في معجم لسان العرب { الرأْفة: الرحمة، وقيل: أَشد الرحمة؛ رَأَفَ به يَرْأَفُ ورئِفَ ورَؤُفَ رَأْفَةً ورَآفةً.
وفي التنزيل العزيز: ولا تأْخُذْكُم بهما رأْفةٌ في دِينِ اللّه؛ قال الفراء: الرأْفةُ والرآفةُ مثل الكأَبةِ والكآبة، وقال الزجاج: أَي لا ترحموهما فَتُسْقِطوا عنهما ما أَمَر اللّه به من الحدّ.
ومن صفات اللّه عز وجل الرؤوف وهو الرحيمُ لعباده العَطُوفُ عليهم بأَلطافه.
والرأْفةُ أَخصُّ من الرحمةِ وأَرَقُّ، وفيه لغتان قرئ بهما معاً: رَؤوفٌ على فَعُولٍ؛ قال كعب بن مالك الأَنصاري: نُطِيعُ نَبيَّنا ونُطِيعُ رَبّاً، هو الرحمنُ كان بِنا رَؤوفا ورؤُفٌ على فَعُلٍ؛ قال جرير: يَرىَ لِلْمُسلِمِينَ عليه حَقّاً، كفِعْلِ الوالِدِ الرؤُفِ الرحيمِ وقد رَأَفَ يَرْأَفُ إذا رَحِمَ.
والرَّأْفَةُ أَرَقُّ من الرحمة ولا تَكاد تقع في الكراهة، والرحمةُ قد تقع في الكراهة للمَصْلحةِ. }
والخلاصة : 
 (الرأفة بمعنى رفع المكروه وإزالة الضرر، وبمعنى التربية واللطف والرحمة والرأفة أخص من الرحمة إذ الرحمة أعمّ فالرحمة تشمل دفع الضرر، وفعل الإحسان. وجاءت بما يقارب هذه المعاني كالرفق والشفقة والإنعام والإحسان )
وقد ورد اسم الله الرؤوف  في القرآن الكريم أحدى عشرة مرة  مرتان  في البقرة ،ومثلها  في التوبة ، ومثلها في النحل  ، ومرة واحدة في كل من   آل عمران ، والحج  ،والنور ،  و الحديد ، والحشر وورد بسبعة معان كلها لا تخريج عن  التعريف السابق .
ولا شك أنه ما من إنسان إلا وقد شملته رأفة الله تعالى منذ أن كان نطفة 
 ففي حقيقة الأمر أن رأفة الله بكل مخلوق وبالإنسان خصوصا ترافقه منذ النشأة الأولى في التكوين وتشمل أطوار الإنسان الثلاثة   
 طور النطفة : تبدأ رأفة الله به وهو نطفة ساقطة في مستقر رحم الأم منقطعة عن تدبير أبويها  ، وجميع الناس  فأجرى إليها من لطائف الشراب والطعام ما لا ينقص على النفع ولا يزيد على التمام ،وحماها من جميع الآلام والأمراض والأسقام ،حتى بلغ تمام حمله وكمال نموه فوضعته على الأرض ،
طور ما بعد الولادة حتى التمييز  : فمن رأفة الله  أن سخر الله له أمه بأن وزرع في قلبها الرأفة لطفلها ولولا ذلك لما نشأ وكبر وإن كانت هذه الرأفة قد وضعها الله في كل الحيوانات إلا أنها في عالم الإنسان أشد حاجة فالإنسان يحتاج إلى فترة تمتد لسنوات لا يستطيع أن يقوم بشؤون نفسه بينما نجدها في عالم الحيوان تأخذ أياما محدودة وتبقى هذه الرعاية والتربية التي تأخذ شكلا أكبر بمشاركة الأب على أقل تقدير حتى يصيرا مميزا يفهم ويعقل  فتبدأ بعدها المرحلة الثالثة .
طور ما بعد التميز  : وهذه المرحلة يكون فيها الفتى هو الأصل وما يتلقاه من تعليم وتربية من أبويه ومن الأخرين إنما يكون من خلاله وهو اختياري بالنسبة له  وليس اضطراريا كما في المرحلتين السابقتين ، وهذه المرحلة تنتهي بنهاية حياته ،وتصل إليه رأفت ربه بطرق شتى نتعرف عليها من خلال الآيات  التي سبق الإشارة إليها .
ولأن من عدل الله على نفسه يقتضي الهداية والإرشاد والرزق لجميع العباد فإنه إذا صار هذ العبد يعقل ويفهم فإن الله يتواصل معه بطرب شتى مع يدل على رأفته ، ولا يزال الإنسان بحاجة إلى غيره وحاجته إلى خالقه أشد قال تعالى ( يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (6 ) الانشقاق  فمن ملاقاته له رأفته به ورحمته بالتعليم والتفهيم والتربية ،وفي أحوال شتى وقد جاءت في القرآن الكريم على سبعة معان .
1 – الرأفة بمعنى الإرشاد والهداية والتربية ، فمن عظيم رأفة الله ورحمته بعباده أن وهبهم عقولا  وأرسل إليهم رسلَهُ وانزال إليهم كتبَه  ،وهي وايم الله  اعظم عطاء اعطاه الله لعباده وأعظم رأفة ورحمة  ( قال تعالى : ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) )التوبة 
وقال تعالى : هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (9))   الحديد  
ومن هذه الرأفة أن الله جعل للإنسان عقلا يهتدي به ولولا ذلك ما فهم كلام الله ولا عرف ما العلم ولا التعليم وهو المعلم الاول قال :  ( وعلم آدم الأسماء كلها )   ،وألهمه الأنفس إلى مساعيها وعرفها الفرق بين محاسنها ومساويها وكذلك هدى الحيوانات إلى مراعيها ( هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (1) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً (2) إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (3) الإنسان ) وقال تعالى ( { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (3) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (4) فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى (5) سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (7) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (8)سورة  الأعلى   ﴾    
2 – الرأفة بمعنى الحماية والتحذير : ومن رأفة الله بعباده تحذيرهم نفسه وتعريفهم كمال علمه وقدرته وبين لهم ما يقوا أنفسهم به ،  وحتى لا يفاجؤون بمصيرهم المحتوم عرفهم اليوم الآخر بتفاصيله ،وبين لهم أنه ينبغي عليهم أن يستعدوا لذلك اليوم يوم يسر الإنسان بما يجده حاضرا من ثواب وجزاء الأعمال الصالحة  ،فليبادر لعمل ما يسر به  ، وما كان غير ذلك يود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا، قال تعالى : ( (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (30) )  آل عمران 
وفي معنى قوله تعالى ( (وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ) قال الحسن البصري: ومن رأفته أن حذرهم نفسه، وعرفهم كمال علمه وقدرته، لأنهم إذا عرفوه حق المعرفة دعاهم ذلك إلى طلب رضاه واجتناب سخطه اهـ. 2
ومن ذلك تخويفهم وتحذيرهم من العصيان والكفر فقال: (أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ. أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ.46 أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ 47)
{ وختم الآية بما ختم به، لبيان أنه لم يأخذهم بعذاب معجّل، بل آخذهم بحالات يخاف منها كالرياح الشديدة، والصواعق والزلازل، وفى ذلك امتداد وقت، ومهلة يمكن فبها تلافى التقصير، وهذا من آثار رحمته بعباده.}\ 3
3 – الرأفة بمعنى العناية والرفق وقت الشدة والضعف قال تعالى (  ( لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117) ) التوبة 
  ( ثم علل قبول توبتهم بقوله: (إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ) أي إن ربهم رءوف رحيم بهم، فلا يضيع ما سبق من إيمانهم وصالح اعمالهم و ما أبلوا في الله وأبلوا مع رسوله وصبروا في البأساء والضراء ،للحظة ضعف صدرت عنهم  فوقعوا فيها ،وزلت عندها أقدامهم والحال أنهم قد ندموا عليها ،فقابلهم بالرأفة الموجبة للتوبة وردفها بالرحمة الموجبة للإحسان .
 
4 - » الرأفة بمعنى اسابغ النعم وتيسر الأمور الشاقة العسيرة
قال تعالى : (وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6) وَتَحمل أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7) ) ( النحل )
ونفس الشيء في الجانب التشريعي فقد اقتضت رأفته ورحمته أن يختار لهم الأيسر والأصلح فما جعل عليهم في دين من حرج ولا مشقة بل جعلهم أمة وسطا  قال تعالى ( (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143)) البقرة 
 
 5 - الرأفة بمعنى اللطف والرحمة والتسخير  فاللطف هو رعايته الخفية الجليلة التي تصل إلى أدق الأمور وأجلها خاصة وقت حاجتها وحين ينقطع عنك كل الوسائل قال تعالى ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (63) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (64) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (65)  )  الحج
6 –  الرأفة بمعنى عدم معاجلتهم بالعقوبة على الذنوب انتظارا لتوبتهم وإمهالا لعودتهم بينت ذلك الآية في سورة النور بعد أن وقعوا في خبر الإفك ورغم فحاشة هذ الجرم إلا ان الله سبحانه من رأفته ورحمته أختار لهم الأصلح قال تعالى :   (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ) أي ولولا أن الله تفضل عليكم وأبقاكم بعد الخوض فى الإفك ومكّنّكم من التلافي بالتوبة لهلكتم، لكنه لرأفته بعباده لا يدع ما هو أصلح للعبد وإن جنى على نفسه 4
 
7 – الرأفة بمعنى بلوغ المنزلة العالية والمرتبة الرفيعة التي يبلغ بها التمام ويلحق بالصحابة الكرام والتابعين لهم بإحسان ،بفضل الكريم المنان والرؤوف الحنان  قال تعالى : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207))  البقرة 
وقوله تعالى : ( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10) ) الحشر 
فقد ذكر الله سبحانه وتعالى في الآية السابقة من سورة الحشر المهاجرين والأنصار ثم ذكر الذين جاؤوا من بعدهم ، وهي إن لم تكن بمنزلة من سبقوهم من الصحابة لكنها تأتي بعدهم تبعا للمتبوع وفضلا من الله ورأفة أنه لا يحرم من أراد المنافسة ورحمته واسعة نسأل الله ان يبلغنا منزلتهم وان يرأف بنا رأفة يجنبنا بها المخاطر ويرفعنا بها أعلى المراتب ويرأف بنا عند الشدائد رأفة الأطفال وان يتغمدنا بالجود والإفضال ويقسم لنا من رحمته ما يكفينا إنه رؤوف رحيم .
..........
 الهامش :
.......
     ثم زرعت الرأفة في قلوب الأُمهات لأطفالها، فهي لاهيـة بأشـغالهم عن أشغالها، فانية بالنظر إليهم في إدبارها وإقبالها، مقبلة عليهم بأقوالها وأفعالها، وكـذلك
. كل حيوان من أضدادها  للشيخ احمد ابن علوان كتباب التوحيد الأعظم 
2 انظر تفسير الدكتور أحمد مصطفى المراغي .في تفسير الآية 30 من سورة ال عمران 
 
\ 3”  تفسير الدكتور أحمد مصطفى المراغي . 
4 تفسير المراغي