عاجل

طريقي الى للايمان


الكاتب : د. عمر جعوان
سلم الله الانسان منذ البداية وظيفة اعمار الارض وحكمها ، فعمل فيها وتكاثر، وعمر وخرب ، وتنازع واقتتل ، وانقسم الى فرق وجماعات ، واثرت كل جماعة ان تبتعد عن الاخرى في عيشها والتزاماتها واسلوب حياتها ، وتنامت الانقسامات على اشكال متعدده ، فانقسمت الناس الى شعوبا وقبائل ، ثم انقسم كل شعب او قبيلة الى افراد تتقمص اثوابا مختلفة في الحياة ، منها من اهتم بالزراعة ومنها من اهتم بالتجارة ومنها من اهتم بالبناء من اجل ان يحصل على لقمة العيش.
ونمت لدى البشر فكرة التخصص من خلال استعمال العقل الذي وهبه الله لكل انسان ، وبتاثير من محيطه والجو الذي يعيش فيه والبيئة المحيطة به تطلع كل واحد الى عالم التخصص بطرق متباينة ومتباعدة، ولان الانسان مخلوق ضعيف فقد ادرك حاجته للاخرين ، وبدأت عمليات التفاعل بين الناس تتفاوت بين اخذ وعطاء ، من كل حسب قدرته على العطاء لكل حسب احتياجه له في استكمال احتياجاته ليعيش .
ادى تكاثر التفاعل بين الناس وتشابك حاجاتهم الى ظهور نزاعات واختلافات كثيرة بينهم ، بل ادى الى ظهور تصرفات همجية وحالات من الاحتجاجات والنفور من اخرين ، فاصبح لا بد من وجود الحكماء لفض النزاعات، واصبح الحكماء في حاجة الى التشاور والتفاهم والالتقاء، فتاسست مباديء الشورى والتي ادت في النهاية الى بناء الانظمة والحكومات ثم الدول.
ولم تكن هذه النتائج بعيدة عن عين ومراقبة الخالق فارسل للناس رسله لكي يساهموا في وضع قوانين انظمة الحكم وفض النزاعات والى تأسيس مباديء الفكر المستنير ليس لدى الحكماء والزعماء فقط بل للناس كافة حيثما تواجدوا على سطح الارض ، فهم يلتقون ويتعاملون مع بعضهم دائما ، وقطعا سيفرحوا لوجود افكار وتوجهات لدى اي منهم تؤدي الى منفعة الاخرين ومنع منازعاتهم وتدعوا للعدل في سد الحتياجات توزيع الثروات التي وضعها الله في الارض بشكل عادل .
فالارض والماء فيها والهواء حولها هي ملك للجميع ، وبالتالي لا بد من تبني مفهوم العدل والعدالة بين الناس ، وكان هذا اصل من اصول الافكار التي اتت من السماء وحملها الرسل والانبياء لبني البشر بتوجيه الخالق جل وعلا ، بالرغم من الاختلافات التي بدأت تظهر بين الناس في كمية ونوع الاحتياجات واساليب الحصول عليها ، الا ان تلك المعضلة قد حلت بسهولة عندما بدأ الحكام يفرضون على الارض المفاهيم والاساليب السماوية التي كانوا يتلقوها من جنود الله الذين كانوا موزعين بين حملة للرسائل وبين متخذي الاجراءات المناسبة في الوقت المناسب ، وبدأت العدالة تسود بين الناس الى حد بعيد.
ولكي يعلم الخالق الناس طبيعة وطريقة ونوعية اسلوب الحياة الصحيحة الواجب اتباعها على الارض لتسود فيها العدالة والعدل وحسن توزيع الموارد وليبعدهم عن اصول واسس الصراعات  خلق مفاهيم الاختلاف والتعالى والسرقة والابتزاز والشرور ليري الناس سوءاتها وردائتها وسوء نتائج اتباعها علهم يمتنعون عنها ، وخلق لها زعيما وحاكما وموجها لتحسين صورة الشر وسماه ابليس ، جعله ممارسا سلبيا للخير وداعيا وصانعا للشر وكانه يضع للناس امام امتحانات يقيس من خلال نتائجها مدى فهمهم والتزامهم بالعلوم والرسائل التي حملها لهم الانبياء منذ بدء الخليقة بالعيش على الارض واعمارها، واعطاهم صورة وحالة النجاح والرسوب مسبقا حين قال لهم ﴿ وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا ﴾ ، اوضح لهم فيها النتائج النهائية للنجاح او الفشل في الامتحانات مبنية على الفهم والتصرفات في الحياة بناء على اتباع رسائل واساليب الحياه التي بلغها الانبياء والرسل او اتباع الافكار والتصرفات المضادة والتي يزينها ابليس واتباعه.
ولما تكاثر الخلق على الارض ، وازدادت بينهم الاختلافات في اتباع وفهم الافكار التي جاء بها الرسل الى امم مختلفة في ازمان مختلفة ، ازداد نشاط الطرف الاخر ، وصار اتباعه يصنعون ويبثون التمييز بين كل البشر ، ولانهم لم يجدوا فوارق بين الناس في الخلق ليمتاز بعضهم على بعض في الفكر او حتى البنيه ، بدأوا يصنعون فروقات واوهام من داخل مفاهيم الناس وطبيعتهم وعقائدهم ، فهاهم جماعة ابليس يصنعون المثلية على انها صفة انسانية مع انها ليست كذاك ووضعوا نظام المثليين في ايام لوط عليه السلام ، لكن فعلهم في ذلك الوقت واجهته السماء فارسل الله جنوده على شكل ضيوف ، قلبوا الدنيا عليهم قلبا بل جعلوا عاليها سافلها عند البحر الميت من شدة القلب .
وبالرغم من ان هذا التنازع الذي كان قبل الاف السنين وكانت نتائجه واضحة في حينه للقاصي والداني ، لم يعد لابليس وزبانيته امكانيات واساليب مميزه في قلب الامور لصالحهم الا من خلال ضرب طبيعة الاشياء عند الناس خصوصا الضعفاء منهم ، فها قد عاد ابليس هذه الايام يلبس قناعا جديدا وبدلة مصنوعة في مواقع مختلفة وباشكال مختلفة يتحدث عن المثلية الجنسية والسيداويه ليسود ويتحكم فيمن خلقه الله من طين بينما هو مخلوق من نار وهو لا زال يتصور انه كانت له احقية المواقع الاعلى ولا زالت ، وهو لا يعلم هو واتباعه متى وكيف واين سيكون لقاء جنود السماء وكيف واين وكيف سيقلبوا الارض عليهم عاليها سافلها ، ولكني اقول لهم انتظروا فلان الامور التي حصلت في التاريخ كانت من نفس النوع وحصلت على نفس النتائج  فالنتيجة المماثلة اتية ولا ريب.
بدأ بعض المخلوقين يميزوا انفسهم عن الاخرين وصار تعاملهم مع باقي الخلق مبني على فكر مفصول عن اصله الذي دل اصلا على ان كل خلق الله للبشر في الاصل متشابه ، الا ان الاتباع بدأوا يميزون انفسهم بانهم مميزون من السماء ، فاصبح الفكر المتبع عند بني يعقوب (اسرائيل) ابن ابراهيم الرسول مثلا للدلالة على مفاهيم الاختلاف الذي نشأ بين اخوة يوسف وتصرفاتهم وعلاقاتهم الاقتصادية والشخصية ، وبدأت الاختلافات تشتعل وتزيد حتى بعد ان جاء موسى عليه السلام وتواصلت معه جنود الله واعطوه تلك الرسالة الواضحة في توجيهات وتوجهات السماء  فقام احد احفاد اخيه واسمة يهوذا بتاسيس جماعة من الاتباع واعطاهم اسم اليهود (نسبة الى يهوذا) الى ان جاء عيسى عليه السلام برسالته للدنيا ، وبالرغم انه حمل الرسالة لهم وبينهم الا انهم حاربوا الفكرة ، وانقلبوا على توجيهات السماء التي جاء بها .
ثم جمع الله كل العقائد التي سبق وان جاء بها الرسل للبشر في شعوب مختلفة وجغرافيا مختلفة في رسالة واحدة ، ارسلها للناس كافة مع رسول السماء جبريل فنزل بها الى محمد عليه الصلاة والسلام والذي اختاره الله تعالى ليتحمل كل الرسائل السابقة ويوجهها لكل الناس على الارض وقال له فيها (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) .
الإكمال في اللغة العربية يعني الاتمام وبهذا فان الرسالة التي جاء بها جبريل لمحمد كانت كاملة شاملة لكل ما جاء قبلها من تشريعات ، وسماها رب العالمين دينا ، لان الدِّينُ هو اسم  لما يعبد به الله سبحانه وتعالى، ويبدوا واضحا من كلمات الاية الكريمة ان ما سبق من تشريعات جاءت من السماء مثل اليهودية والمسيحيَّة كانت جزء من الدين الاسلامي ، حيث تفيد الاية الكريمة ان اليهودية والمسيحية كانت تعبر عن تشريعات تم اكمال مقاصدها باكمال الدين الذي اسست له الذي هو الاسلام .
وقد اكمل واتم سبحانه وتعالى ما بدأ بتنزيله على باقي الرسل خصوصا ما انزل على موسى وعيسى من خلال نزول الاسلام ، فمصطلح الإتمام يرادف مصطلح الاكمال ويزيد في الايضاح لانه يتكلم عن النعمة التي انعم بها على الناس ، واما الرضى الذي ذكر في الاية الكريمة بكلمة رضيتُ فهي تعني الاختيار، فيقول تعال باني اخترت لكم دينا اسميته الاسلام وهو جامع لمتطلبات العبادة التي على البشر ممارستها، ولفظة الاسلام في الايه الكريمه هي الاسم اعطاه لله للدين الذي حدده لعبادته جل وعلا ، ولا بد من ربط المصطلح ايضا بمفهوم الاستسلام للخالق واتباع اوامره واجتناب نواهيه .
وبناء عليه فان فهم ما يدور حولنا من احداث ومواضيع يخضع لفهمنا لاصل الاشياء وما ستؤول اليه نتائجها اذا اتبعنا كل اوامره جل وعلا وعملنا بالاية الكريمة التي تقول (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) هذا يعني ان الخالق يراقب اعمالنا نحن عباده وسيعلمنا او سيرينا نتائجها خصوصا في صراعنا مع اتباع ابليس قريبا ان شاء الله .