مُبرّرات الإلحاح على صفقة القرن


22/06/2018 15:55

د. حسين البناء

بعيدًا عن كل التفاصيل الثانوية، و تدقيقًا في الخط العام لمجريات حل القضية الفلسطينية، واستقراءً للمستقبل، فإنه بات من الصعب تَصوُّر ماهية (خارطة الطريق الحقيقية و الواقعية) التي من شأنها أن تُنهي الصراع مع إسرائيل، حتى ما بات يطفو على السطح هذه الأيام بما يُسمى (صفقة القرن) فهو كذلك غير قادرٍ على إقناع كثيرٍ من الأطراف بإمكانية تطويره وتسويقه كحلٍ نهائيٍ.
 
 إسرائيلُ، وفي كثيرٍ من القراءات، هي غيرُ متصالحة مع أي نموذج للحل؛ فلا (حل الدولة الواحدة ولا حل الدولتين ولا حل الثلاث دول كذلك) هو قادرٌ على إزالة مخاوف تل أبيب وطمأنتها على واقعية و استقرار الحل، حتى أنه وفي قراءة متطرفة شيئًا ما، تبدو إسرائيل غيرُ مَعنيّةٍ أصلًا بالسعي لأي حل؛ وما يدعم ذلك الواقع، فإسرائيل موجودة منذ 1948 ، وتحضى بدعمٍ دوليٍ من القوى العظمى، ومزدهرة، و تؤثر على الساحة الدولية في كثيرٍ من ملفات المصالح المتبادلة، وكما أن معادلة القوى العالمية و الإقليمية حتى هذه اللحظة تتفاعل إيجابيًا مع مصالح إسرائيل و أمنياتها، كما أن كثيرًا من الدول العربية و الإسلامية تُطبِّع علاقاتها بتهافتٍ لافتٍ.
 
حل الدولة الواحدة يُهدّد بالكامل يهودية إسرائيل وعنصريتها، و التهديد السكاني (ديموغرافيا التعريب) يُهدِّد بِجَعل اليهود أقلية في عقودٍ قليلةٍ، في ظل تناسل العرب و الهجرة المتناقصة لليهود.
 
حل الدولتين يبدو صعبًا كذلك؛ فالمستوطنات و الجدار العازل يرسم حدودًا جديدة ، و قيام دولة فلسطينية (محاصرة و ممزقة و غير قابلة للحياة) هو أمرٌ غير مُستقرٍ، ولا يبدو بأن تل أبيب راغبةً في  العودة إلى حدود ما قبل 1967 فعليًا، ولا تطبيق قرارات الأمم المتحدة الثابتة بشأن اللاجئين و الحدود المُعترف بها أمميًا.
 
حل الدولة الثالثة، والذي يشابه رؤية (صفقة القرن) هو كذلك فكرةٌ مَسْخٌ منذ نشأتها؛ (فلا لبنان ولا الأردن ولا سيناء المصرية) يُمكن لها الوقوف كالمتفرج أمام اللعب بخارطة الجغرافيا و الديمغرافيا و كأن تلك بلاد خُواء ! و الاستمرار باللعب على (الأزمات الاقتصادية و استثمار حالة الوهن العربية والتشظّي الطائفي) غير كافٍ لتمرير صفقات كبرى تتجاوز  شعوب المنطقة و أنظمتها المؤمنة بعدالة الحل.
 
الحكمة تقتضي بأن تَشْرَع الدولة في التفاوض عندما تكون في موقع القوة المطلقة أو النسبية مقارنةً بالخصماء؛ حيث يضمن ذلك (أكبر مكاسب و أقل تنازلات) على طاولة المفاوضات، والقوي فقط هو القادر على امتلاك (الأوراق التفاوضية الكافية) التي تُمَكِّنه من طرحها تعبيرًا عن المكانة التفاوضية له، و تعبيرًا عن (محاور التفاوض) ذات الاهتمام والقابلة أو غير القابلة للتفاوض.
 
عندما تنتفي حالة (التعادل التفاوضي) بين الأطراف، فإن الأمر يدخل في مفهوم (الانصياع و الرضوخ) بدلًا عن التفاوض المُفضي لجملة (مكاسب و تنازلات) تُحقق الحد الأدنى أو الأقصى المُرضي لجميع الأطراف؛ فالأولى بأن ينتهي التفاوض بحالة (كاسب-كاسب) للجميع لكي يستمر العمل بمضامين الاتفاق النهائي الذي يُمثل حالة السلام أو الحل المُبتغاۃ.
 
إسرائيل حاليًا وخاصةً في ظل (إدارة ترمب المحافظة) تستشعر القوة المطلقة والنسبية، وهي راغبةٌ وقادرةٌ على فرض شروطها التفاوضية على الجميع، عن طريق استغلال اللحظة التاريخية الفريدة، لكي تنتهي إلى سلامٍ بنكهةٍ إسرائيليةٍ خالصةٍ، أمام الطرف العربي والفلسطيني الذي فقد معظم قدراته في فرض الحل، وذلك بطبيعة الحال بعد تحييد (ثالوث العروبة) الذي يُستنزَف يومًا بعد يوم تحت ضغط (الأزمات الاقتصادية و الإرهاب و الفساد و الطائفية)، فعملانيًا لا يُتوقَّع و لسنوات قادمة حتى، بأن تلعب أيًا من (مصر-سوريا-العراق) أي دورٍ رافعٍ أو داعمٍ للقضية الفلسطينية؛ حتى أن الفلسطينيين أنفسهم باتوا مُنقسمين ما بين (غزة حماس و ضفة فتح!) و نجحت إسرائيل في تسويق ذلك جيدًا في العالم، حيث أظهرت الجانب الفلسطيني بمظهر (غير المؤهل) لإدارة الدولة وضبط أمنها، و (غير الجدير) بالثقة كشريك تفاوضي!
 
اللحظة التاريخية التي تَمنح إسرائيل (الميزة المطلقة و النسبية) لن تطول كثيرًا؛ حيث يُتَوَقَّع أن تتغير خارطة النفوذ في المنطقة في غضون السنوات العشر القادمة، لتُحل (إيران مكان سوريا والعراق) و لتُحل (تركيا مكان مصر والسعودية)، عندها ستظهر إسرائيل كالقزم بين قوى إقليمية و تاريخية ضاربة، و خاصةً إذا نجحت كلًا من (تركيا و إيران) في بناء قدرات نووية و صاروخية متقدمة.
 
 
هذا التصوّر هو المُفسِّر الأقوى لحرص (إسرائيل و من خلفها الغرب الذي يتبنى الرؤية الصهيونية) على منع تطوير قدرات إيران الصاروخية البالستية، والنووية العسكرية، خاصةً بعد تمدد نفوذ طهران على مربع (العراق-سوريا-اليمن-لبنان)، وهذا التصوّر هو كذلك المُفسِّر (للجهود الصهيونية في العالم) في إعاقة دخول تركيا للاتحاد الأوروبي، و المضاربات الهادفة للإضرار بسعر صرف الليرة، و التنافس على حقول غاز المتوسط، ودعم انفصال الأكراد، و التدخل في الانتخابات التركية عبر مليارات الدولارات دعمًا للقوى المحلية المنافسة، وخلق أي تهديد من شأنه كبح جموح المشروعين التركي و الإيراني في المنطقة.
 
لعل ذلك أيضًا يُفسِّر ذلك التهافت و الإلحاح (للإدارة الأمريكية و وكلائها في المنطقة) في دفع العجلة قدمًا أمام ترتيبات مُستحدَثة، من شأنها منح إسرائيل أقصى ما ترجوه، الأرض و الأمن، و تسكين الفلسطينيين بأقل ما يمكن كصيغة للحل النهائي، الذي لا يبدو أنه مُرضٍ ولا مُستدام، ليعكس العقلية (الترامبية) في استعجال عقد الصفقات، وربما المقامرة بطاولة لا تتسع للضعاف من أنظمة المنطقة.