على ماذا يتفاوض الفلسطينيون؟ .

mainThumb

12-03-2008 12:00 AM

عندما اشتدت وطأة الهجوم الاسرائيلي مؤخرا على غزة، وسقط اكثر من 120 شهيدا بينهم اطفال كثيرون، اشتدت الضغوط على رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس لوقف الاتصالات والمفاوضات مع الاسرائيليين، وبعد كثير من التردد أعلن تعليقها. وليس وقفها الى ان يتوقف الهجوم على غزة.

ولما طلبت منه كوندوليزا رايس خلال زيارتها الاخيرة ان يعود للتفاوض وإلا قُطع عنه العون الدولي وافق على صيغة مختلفة: لقاء اسرائيلي فلسطيني اميركي، حتى يتمكن الطرف الاميركي من تقييم مدى التزام كل طرف بالتنفيذ، كما كان قد تم ترتيبه في أنابوليس، والحديث عن خارطة الطريق.

وهنا نجد أن الوزيرة رايس أعادت الفلسطينيين للتفاوض بلا وعد من اسرائيل بوقف الهجوم على غزة، مع تأكيد رايس على أن وقف اطلاق النار لم يكن شرطا للعودة للمفاوضات.

هنالك شبكة معقدة من التناقضات تكتنف الموقف. فيما يتعلق بالتفاوض: لا يستطيع الجانب الفلسطيني ان يرفض التفاوض مهما كانت الظروف والاسباب؛ ذلك لان كل الدعم التمويلي الدولي للسلطة مشروط باستمرار التفاوض, لا للوصول الى تسويات وحلول، بل لاجل التفاوض فقط. واسرائيل ليست معنية كثيرا باستمرار المفاوضات العبثية بالفعل، فإنّ انسحب الجانب الفلسطيني منها، فتلك عندئذ فرصة اسرائيل لتحميله المسؤولية الكاملة عن فشل مشروع انابوليس.

الفشل هو نتيجة حتمية، لم يعد كثيرون يرون أي بصيص من الامل بامكانية التوصل لاي حل في المدة المتوقعة، بعد ان مضت خمسة اشهر من دون التقدم خطوة واحدة. ولسنا في زمن المعجزات حتى يحدث اي تغيير بمعجزة قبل نهاية العام 2008.

وان استمرت لقاءات عباس وأولمرت، ولجان التفاوض، فذلك ايضا يلبي حاجة اسرائيلية كما يلبي حاجة اميركية اسرائيلية حتى يظل المجتمع الدولي راضيا عن حركةٍ، وإن وهمية، لما ظل يسمى بعملية السلام.

أمّا الحاجة الأميركية؛ فلأن الادارة التي تقضي ايامها الاخيرة بحاجة لشراء الوقت حتى تجير فشل كل سياساتها الشرق الاوسطية، بخاصة فيما يتعلق بالصراع العربي الاسرائيلي، للادارة التي ستخلفها.

أما بالنسبة للجانب الفلسطيني، فمع ان المفاوضات مفروضة عليه، الا انه ايضا منتفع منها كونها مبرر بقاء السلطة بل ومبرر وجودها، وكونها ايضا مصدر الرزق والتمويل والرضا. اما انها ستعود بأي شيء على الفلسطينيين فيها يتعلق بحقوقهم فذلك آخر المستحيلات.

بعد أنابوليس مباشرة اعلنت اسرائيل عن عدة مشاريع استيطانية حول القدس، وبجوار رام الله في قلب الضفة الغربية متحدية بذلك كل من يعنيه الامر. بعد كل اعلان عن مشروع استيطان يصرخ الفلسطينيون احتجاجا، ونسمع ثغاء باهتا من المجتمع الدولي وتعبيرا عن القلق من ان ذلك قد يضر بعملية السلام. لا يضر بالسلام، ولا يناقض القانون الدولي، ولا ينتهك حقوق الفلسطينيين ولا يكرس العدوان. ولا يزرع بذور العداء ويمهد لمزيد من العنف، بل فقط يضر بعملية السلام.

لانها هي الهدف ولم تعد هناك أية اهداف اخرى. الهدف هو العملية، اي استمرار التفاوض، المستمر منذ عام 1991، ولم يثمر شيئا الا المزيد من تآكل الحقوق واستعمار الارض وتعميق العداء وتأجيج العنف، اما السلام فلا يتحدث عنه احد.

لا نسمع هذه الايام من يقول ان الاستيطان خطأ وغير قانوني ومرفوض قانونيا. تلك اللغة تآكلت بالتدريج حتى اصبح الخطر هو إلحاق الضرر بعملية السلام. ذلك هو المقياس الوحيد لكل قتل وتدمير وسرقة ارض وعدوان.

بعد الاعلان عن كل مشروع استيطاني تنطلق نداءات الاستغاثة من كبير المفاوضين، وتنطلق ملاحظات راجفة وخائفة وحذرة من المجتمع الدولي. ثم يهدأ كل ذلك ويستمر البناء وتستمر مصادرة الارض وهدم البيوت والالقاء بسكانها في العراء وتُطوى الصفحة حتى يأتي الاعلان عن مشروع استيطاني جديد. لم يؤد الاحتجاج الفلسطيني والاستجداء الدولي لتغير سياسة اسرائيل الاستيطانية مرة واحدة.

اسرائيل لا تعمل خارج اطار القانون! فقد اوجدت قوانين خاصة بها وبمشاريعها لتوفير الغطاء الشرعي لكل اجراءاتها مهما اوغلت في الانتهاك. فهي، اي اسرائيل، بعد ان اعلنت قبل انابوليس تجميد الاستيطان، اوضحت فيما بعد انها بذلك عنت الضفة الغربية وليس القدس.

فالقدس- برقعتها المكبرة بقرار اسرائيلي- هي العاصمة الموحدة الابدية لاسرائيل، وليس بالتالي من حق احد ان يتدخل في مشاريع البناء فيها.

القدس اذن ليست من قضايا المرحلة النهائية. فهي منهية ومحسومة، وسواء وضعت على رأس القائمة او في ذيلها فليس بشأنها ما يبحث. لكن اسرائيل، مع ذلك، اعلنت انها اتفقت مع السلطة على تأجيل مسألة القدس للآخر. حتى تكتمل مشاريع الاستيطان من حولها ولعزلها.

وفي ظل قرار التجميد يستشري الاستيطان في مواقع اخرى من الضفة الغربية، لان المستوطنات صنفت بأن منها المشروعة وغير المشروعة. والفرق ان المشروعة اصبحت بالترويض والتكرار مقبولة كأمر واقع وبالكاد يرد الحديث عنها. أما غير المشروعة فهي باقية ومتوسعة، ولكن مع الاطمئنان بأن هنالك وعوداً بازالتها او ازالة بعضها. ومن الذي يقرر ما هو المشروع وما غير المشروع! وما الذي يمنع ان تصنف كل المستوطنات على انها مشروعة طالما كان القرار بيد صاحب المصلحة!

سمعنا، كالمعتاد، احتجاجات وادانات فلسطينية صارخة لمشروع الاستيطان الجديد. بناء "750" وحدة سكنية جديدة بين رام الله والقدس. ولكن من المؤكد ان اللقاء التفاوضي المرتقب سيتم وفي ذلك قبول ضمني بهذا المشروع الجديد، كما كان استمرار التفاوض بعد الاحتجاج على مشاريع الاستيطان السابقة قبولا ضمنيا بالجدار والحصار والقتل والاجتياح والاعتقال ودوام الاحتلال والاذلال.

لسنا اول الشعوب التي تتفاوض، فالتاريخ حافل بالامثلة والدروس. ولكننا بالتأكيد اول من تفاوض بهذه الطريقة واول من حول التفاوض الى مهزلة عبثية محكوم عليها بالعدم.

مندوب الأردن السابق في الامم المتحدة