لنتفاوض مع حماس

mainThumb

07-03-2008 12:00 AM

في شتاء 1991 قصف صدام حسين تل ابيب ، وخلال شهر ونصف سقطت على المدينة صواريخ طويلة المدى ، ثار الفزع والرعب ، وسكان كثيرون فروا الى القدس والقادة تحدثوا عالياً عالياً عن الضربة الصعبة التي ستوجه للطاغية العراقي ، ولكن شيئا لم يحدث ، جلسنا بهدوء.

في شباط - 1996 تفجرت الحافلات في ساحات تل ابيب والقدس وقتل العشرات وجرح المئات في الشوارع والمطاعم والمقاهي ، من كان يتوجه للشراء في السوق لم يكن يعرف ان كان سيرجع الى بيته ، ومن توجه الى مطعم او مرقص ليلي اعتبر كمن يضحي بنفسه ، وشمعون بيرس الذي كان حينئذ رئيسا للوزراء ادرك ان العمليات ستقضي عليه سياسياً ولكنه لم ينجح في منعها ، وبالفعل انتصر بنيامين نتنياهو عليه في الانتخابات.

هناك كذبة مغيظة في النقاش الشعبي الدائر في بلادنا وهي: ان من الاجدر تحويل حياة المدنيين في غزة الى جهنم حتى يضغط على قادتهم وبذلك يتوقف اطلاق الصواريخ ، هذه كانت النظرية المركزية لحرب لبنان الاولى ولكن هذا الامر لم يحدث رغم ان مئات الاف المدنيين في لبنان اضطروا للفرار شمالا ، هذه ايضا كانت نظرية حرب لبنان الثانية ولكن رغم المعاناة الهائلة التي لحقت بالسكان اللبنانيين لم يحدث هذا الامر حينئذ ايضاً ، والامر لا يتحقق كذلك في غزة الان حيث يسود وضع أسوأ بكثير يصل الى درجة البشاعة ، الفقر شديد وعدد القتلى هائل والمستشفيات تنهار من كثرة الجرحى والبطالة حققت معدلات خيالية تصل الى 60 بالمائة واغلبية السكان يعيشون بفضل المعونات الغذائية التي تصلهم من منظمات الامم المتحدة.

ما تبقى للانسان في مثل هذا الوضع الصعب هو كرامته فقط ، في هذه الايام "تحولت غزة كلها الى حماس" قال ضابط سابق من اجهزة الامن التابعة لفتح لصحيفة "هآرتس" ، والذي لا يشتبه بأنه من المناصرين الى حماس ، فالمظاهر البشعة التي بثت وتظهر موت عشرات الاطفال والنساء تبث عبر قناة الجزيرة الى كل بيت ، من هنا ليس هناك مفر من التفاوض مع حماس ، ليس بإمكاننا ان نختار اعدائنا ونحددهم ، صحيح ان هناك خطورة في توقيع اتفاق مع حماس فهذا الاتفاق قد يقود الى اضعاف محمود عباس الذي ترى فيه اسرائيل حليفاً ملائماً ومناسباً ، ولكن هناك ايضاً احتمالية وفرصة في التوصل الى تسوية حول وقف اطلاق النار وايقاف اطلاق الصواريخ مقابل التوقف عن عمليات الاغتيال ، ومن الممكن التوصل الى تسوية حول تبادل الاسرى واستعادة جلعاد شليت ، ومن الممكن ايضاً الاتفاق حول تخفيف الحصار الاقتصادي من خلال تسوية تمنع ادخال السلاح والمواد التخريبية عبر معبر رفح ، كل هذا قابل للتحقق وهو افضل بعدة درجات من مواصلة حمام الدم الذي لن يقود الا الى رفع مستوى السنة اللهب وجدران الكراهية والانتقام.

ذات مرة لم نرغب في التفاوض مع م.ت.ف. ومع عرفات ، بعد ذلك حولنا عباس الى مهزلة ولم نرغب في اعطائه اي انجاز خلال فك الارتباط ، والان نحن لا نريد التفاوض مع حماس ولذلك سيتواصل الصراع الى ان تحدث كارثة عندنا او عندهم ، حينئذْ فقط سيضطر القادة للجلوس والتفاوض خلف طاولة المفاوضات.