ومن الهبل ما قتل! .

mainThumb

26-10-2007 12:00 AM

لي صديق عزيز له أساليب «غير تقليدية» في تربية أولاده وتعليمهم. فهو لا يزال يمنع وجود التلفزيون في غرف الأولاد وفي المنزل بصورة عامة، ليس بسبب آراء دينية متشددة، ولكن لاعتقاده بأن هناك غثا كبيرا في شاشات التلفزيون اليوم، بحيث باتت مفاسده أكثر من نفعه، وهو يهدد أولاده في حال عدم استماعهم لتوجيهاته بأنه سيقوم بقراءة بعض خطابات مؤتمرات حزب البعث، وعليهم الاستماع لها حتى نهايتها.
وهو يؤكد لي أن هذا «التهديد» قد يكون الأكثر فعالية! وفعلا لدى اطلاعي على «نماذج» من هذه الخطابات -وهو يهوى تجميعها، ولا أدري إن كان ذلك نوعا من السادية الراغبة في تعذيب الآخرين، وبامتياز هي التي تسببت في هوايته هذه- لاحظت وجود مصطلحات وجمل لا يمكن إلا أن يتم وصفها إلا باللامعقول والغريب، فهناك جملة تقول: «وإنه بالنظر إلى الانبطاح المزدوج على الأصعدة المتعددة والمتعلقة بحيوية النضال وجذوره، المتأصلة في عنفوان المستقبل وأعماق الماضي، فإنه لا يتوجب فحسب ولكنه يلزم التنويه بما يلي...»، ويبدأ الخطاب بعدها في سرد سلسلة لا تنتهي من الفذلكات والعبارات الهلامية، والتي لا معنى لها ولا هدف، ليس الغرض منها سوى حشو الدماغ بالتفاهات والسرد الخالي من المعاني.

والحقيقة أن مشاكل الخطاب الثوري القومجي والديني المتشنج مليء بمثل هذا الطرح. سرد مطاطي، وكلمات محشوة، وكأن الهدف الأوحد من كل ذلك الحصول على العلامة النهائية في اللغة العربية، أو التعبير، أو الهلوسة، وإن وجدت مادة في هذا المجال؛ فحتما سيحصل كتبة هذه الخطابات على العلامات الأهم فيها!.

ولذلك كان هذا الطرح بمثابة المخدر العام و«البنج» الكلي للعامة، ومن انساقوا خلف هذه الظاهرة الكلامية، التي لا تزال تلوث أسماعنا حتى اليوم في مواقع ليست بالقليلة، فتعود الكثيرون على خطاب مليء بالشعارات وخال من الأهداف، مليء بالحماس وخال من المسؤولية، مليء بالتمني وخال من التحديد، ووصل الحال لما وصل عليه الآن، وبقيت المسؤولية مشتتة يسهل فيها تحميل «الإمبريالية والأطراف الرجعية، التي منعت أمتنا من الوصول لأهدافها العليا» و«العلمانية والكفرة الذين سطوا على ضمائر أمتنا، ولوثوا كل ما فيها»، وبذلك يقدمون حلا متكاملا وبسيطا لمشكلة أخطر وأعمق بكثير مما يتم طرحه بهذا الشكل الهزلي.

وحين سألت صديقي: لماذا هذا الأسلوب العجيب في تربية أولاده، فيرد علي بنظرة فيها سخرية، ولكن فيها رعب وخوف دفين، ويتنهد قبل أن يجيب: هل تريدهم أن يكونوا مثلي؟ أجيال كاملة قتل الطموح فيها، وباتت تعيش مرعوبة نتيجة هذا «الهبل»!.