أنا ضمير القاضي الرحيم

أنا ضمير القاضي الرحيم

02-01-2026 11:18 PM

اشتهر في السنوات الأخيرة مقاطع فيديو مصورة على شبكة المعلومات العالمية الانترنت وعلى مواقع من اليوتيوب أو أي من التواصل الاجتماعي المختلفة لقضاة في جلسات المحاكمة ومنهم من يدلي بعبارات قبيل النطق بالحكم؛ وانتشرت مثل هذه المقاطع المصورة من الغرب ومنه أمريكيا إلى العالم في عصر الإعلام الرقمي؛ وتضمينها ألقاب وإن كانت واقعية إلا أنها مبالغ بها وتحمل أبعادًا تأثيرية على العالم أجمع؛ فهي تصدير لشخصيات على أنها أنموذج متفرد عبر تاريخ التقاضي، رغم الايجابية البسيطة المباشرة ألا وهي ترسيخ أن القاضي للخير العام وليس للشر؛ إلا أنها لا تخلو من السلبيات وهو تمحور القضاء ومبادئه بهذه الصورة الوحيدة.
بما تقدم فإن عموم مقاطع فيديو المحاكمات وإن كانت تتم وفق الأصول القانونية في نشرها إلا أن نشرها وتضمينها ألقاب يدفع الى التقليد لنجد منه نماذج عربية وهي وإن كانت نادرة إلا أن رأيي الخاص وكباحثة قانونية وكاتبة في حقوق الإنسان أنها تمس حرمة تقاضي الأفراد؛ واستحالة الرجوع في أثر قراره ونشره فيما لو أراد الفرد فيما بعد ذلك الرجوع بقراره وإلغاء ما تم نشره،
إن رسولنا الكريم ونبينا عليه أفضل الصلاة والسلام أنموذج تاريخي للقضاء والتقاضي ورحمة القضاء والتقاضي ومنه حديثه -صلى الله عليه وسلم- المشهور: إِنَّمَا أَنَا بشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ؛ فأَقْضِي لَهُ بِنحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بحَقِّ أَخِيهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ" متفق عليه. فرحمة التقاضي تجسدت بأن رحم المقضي ضده وله بأن اعتد أخذ أي منهما لحق ليس له أو تعدي هو اقتطاع قطعة من النار وأنه ولو كان حكم من لدن رسول الله لأي منهما لا يعني استحقاق ما ليس له ولا حجة لأخذ حق ليس له وأراح المقتضى ضده بشعوره النفسي والمعنوي بأن حقه يسترد في الدنيا والآخر.
ولما تقدم رسخ رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم مبدأ لطالما يتجاهله الآخرون بل والأجدر أن يمضى ختاما كل حكم من أحكام القضاء الدنيوي بها كما تختتم باسم الوزارة أو الجهة مصدرة الحكم؛ فهو مبدأ ضمنيا لمبادئ أخرى أن القاضي الرحيم هو كل متقاضي وأنه مهما بلغت فطنة وذكاء القاضي لن تدرك خفايا النوايا والقلوب بل والحقائق وإلا لأدركها رسول الله وهو الملهم من الله ورسالته للبشرية جمعاء؛
ولأننا في عصر قد ضعف فيه الوازع الديني والأخلاقي والذي يتفاوت فيه الضمائر البشرية بل وذهب البعض إلى الاستعانة بمستحدثات في علم النفس لتخلص من عتاب الضمير البشري بالتعدي على حقوق الآخرين بالوهم النفسي للهروب من قطعة من النار والارتياح النفسي إيهام نفسه بأنه على حق وصواب؛ لذا برزت الحاجة لترسيخ مبادئ لدى القضاة الناشئة الذين يغفلون مثل هذا المنهاج في التقاضي وفنونه وأن التقاضي ليس علم قانون فحسب بل وفن يجهله الكثير؛ وأن مقالي هذا ينبع من ضميري لقلب فقيه متفقه في علم القضاء والتقاضي وجب علي التذكير لترسيخ مثل هذا المبدأ لدى المتقاضين والقضاة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد