القاعدة .. قاعدة في العقول ..

mainThumb

12-09-2007 12:00 AM

فلسطين، في البال، أغنيةٌ وحلم وشعب ذبيح وشهقة مظلومين، مطروحين خارج الدار.وفلسطين، في الواقع، قبائل وعصابات وزعران وسلاح مجرم وهمجية وسرقات وتدنيس وغزوات وصراع ديكة على السلطة في مربّع محاصر، بائس، جائع، رثّ، مقهور تحت احتلال صهيوني هو الاشرس في العالم الحديث.


فلسطين، في البال. كعبة كل الاحرار، سليلة أنبل الثورات، انتفاضة الاشجار على الدبابات، حاضنة زهرة المدائن، ذاكرة الشعراء الاوائل من ابي سلمى، وراشد حسين وفدوى طوقان وتوفيق زياد، والاواخر من سميح القاسم الى عز الدين المناصرة الى احمد دحبور وصولا الى بهاء محمود درويش.

وفيما كنتُ أخفي وجهي من الملثمين، اشباه الصهاينة بلا كوفية، كنت أرشف فلسطين من كتاب سعاد العامري "شارون وحماتي" (دار الآداب 2007) تندى منه حكايات الصمود الفاتن، وارادة الحياة تُنتزع من بطن الحوت.

نحن، من نشأنا على هوى فلسطين، سنهرب بأرض مريم وعيسى ابنها، ارض ايلاريون كبوجي وياسر عرفات والشيخ احمد ياسين، وكوكبة الصباح، ندسّها في طيات أحداقنا، ونقف على جبل الكرمل لنبصق على الرعاع من كل لون وجنس: انتم اسرائيليون، مهما ارتديتم من اقنعة.

من يعرف الوضع العراقي، على ألسنة عراقيين وفدوا لبنان حديثا، يدرك ان الجيش اللبناني بانتصاره الباهر والمكلف على مجموعة شاكر العبسي، حال دون جعل لبنان ساحة من ساحات "القاعدة"، ومنع انهيار الدولة والكيان على رؤوس جميع اللبنانيين، ورؤوس المسيحيين اولا. فالمصير الذي كان ينتظر المسيحيين، لو استحكمت "القاعدة"، مصير لم يعرفوه في أشد الحقبات ظلامية في التاريخ العربي – الاسلامي.

يروي كهنة كلدان واشوريون موثوقون ان المظالم التي عاناها المسيحيون العراقيون كانت تقتصر، قبل عام، على حالات فردية متفرقة، وفي فترات متباعدة.

ولكن، مع نهاية العام الفائت، بدأت ترتسم معالم سياسية منهجية لتهجير منظم للمسيحيين، وجلّهم من السريان والاشوريين، حيث تتالت حوادث القتل للكهنة وطلاب معاهد اللاهوت والاكليريكيات، كما باتت المناشير المعادية توزع على مداخل جميع البيوت والمحلات.

في هذه المناشير، يجري وضع العائلة المسيحية في الموصل او بغداد (حي الدورة) امام "خيارات" ثلاثة: اما دفع فدية (بين 30 و50 الف دولار) واما مغادرة العراق نهائيا، واما اشهار الاسلام لمن اراد البقاء.

حيال هذا الواقع، تختار معظم العائلات مبارحة العراق الى سوريا او كردستان، او الالتحاق بمن بات طريدا في بلاد الله الواسعة.

المسيحيون العراقيون (300 الف) يسألون صوتاً صارخاً من كنائس الشرق الاوسط والعالم الغربي، مقروناً باحتضانهم في اماكن نزوحهم الجديدة، مثلما يسألون، باسم التاريخ المشترك الممتد من آلاف السنين، كلمة شجاعة من المرجعيات الاسلامية في العالم العربي، قبل ان تشعل "القاعدة" بيوت الجميع.