من جرّ طاش إلى الح?Zل?Zبة ؟!.

mainThumb

29-09-2007 12:00 AM

«طاش ما طاش»، الكوميديا الرمضانية الأولى سعودياً، مسلسل بات أشهر من نار على علم؛ بل إن كثيراً من عشاقه وأنصاره يطالبون بأن تترجم حلقاته إلى الإنجليزية لأنه بعد أن تجاوز نجاحه دول الخليج إلى كثير من الدول العربية بدأ يستقطب بعض المتابعين والمحللين للخطاب الثقافي المحلي بحثاً عن سر كل هذا الجدل الصاخب والحراك الاجتماعي الذي يحدثه «طاش» كل سنة، إلا أنه أثار في هذا العام الكثير من الجدل «النخبوي» بسبب إحدى حلقاته التي استهدفت الليبراليين في السعودية كما يقول عنوان الحلقة: «ليبراليون، ولكن».. وبمناسبة «لكن» شاهدت الحلقة عدة مرات لأربط بين عنوانها والخليط المنوع من الشخصيات التي تم إسقاط مفهوم الليبرالية عليها بشكل «سطحي» مما خرج بـ«طاش» عن سيكولوجية الفكاهة الناقدة التي يجب أن تمس «الليبراليين» بنارها كغيرهم لتحيله إلى عمل أقرب إلى الميلودراما الثقافية من خلال الحرص على استدعاء ثنائيات الخصومة «إياها» في مشهدنا المحلي: الأصالة / المعاصرة، الإسلاميون / الليبراليون، المرأة كحرة وكدُرّ?Zة.. الخ.
حاول «طاش» في تلك الحلقة أن يقلب معايير العمل الفني عبر تخليه بشكل متعمد عن وظيفته الأساسية كعمل كوميدي من طراز رفيع ليتحول إلى عمل تسجيلي بارد يستحلب «صوراً واقعية» ويحولها بشكل تسطيحي إلى مفاهيم ثقافية ليتم «الاحتراب» عليها: فهماً وتأويلاً وتأييداً.

من وجهة نظري إن التخلي عن «طاش الكوميدي» لصالح «طاش الفكري»، وهو ـ بالمناسبة ـ أمر يزداد بشكل تصاعدي كل موسم، هو مؤشر أزمة في ظل بلوغ «طاش» هذا العمر الفني المديد نسبياً إذا ما أخذنا في الاعتبار أن متوسط عمر المسلسلات الدرامية خمسة مواسم، ومع ذلك فإن الإشكالية تتجاوز هذا الاستسلام من فريق «طاش» إلى الانجرار لحلبة الصراع بين التيارات الفكرية المحلية والتي تتخذ أشكالاً تنظيرية شعاراتية في معظمها لا تنعكس على منسوب الوحدة الوطنية إيجاباً؛ فسوقنا الثقافي المحلي في المنتجات الثقافية كتب وروايات وبرامج حوارية بات ـ للأسف ـ لا يحفل إلا بالأعمال ذات الطابع السجالي والتي تستجيب لشروط ذلك الصراع، وهذا ما يفسر نجاح أعمال أدبية أغلبها في حقل الرواية الذي أصبح أشبه بسلاح المستضعفين في مقابل قراءات نقدية ذات طابع عقائدي تجريمي أغلبها يتخذ شكل بيانات إدانة وكتيبات تحذير، وفي زحام هذا السجال تغيب وجوه وطنية عظيمة أنتجت خطاباً ثقافياً متميزاً إنْ على مستوى الرواية أو التشكيل أو النقد الأدبي أو حتى الدراسات التاريخية ممن حرصوا أن لا يدخلوا «الحلبة» متجاهلين بريقها وغير مبالين بهتافاتها وتصفيق جمهورها الحار.

وإذا كان من شبه المستحيل لعمل كوميدي أن يعالج ملفات فكرية شائكة لأنه سيكون كمن يحاول شرح الفلسفة بالإيماء، فإن الطريقة السهلة التي اجترحها فريق «طاش» بقراءة ذكية لوضعية السوق هو أن يتم تنميط الأفكار في شخوص بعض معتنقيها بحيث تتحول تلك السلوكيات الشخصية إلى «علامات» دالة على الفكرة، ليبرالية كانت أو إسلاموية، وهنا تكمن خطيئة «طاش» التي ساهمت في تعميق تلك الفجوة بين تلك التيارات التي تعاني من أزمة حوار خانقة، في حين أن المعتدلين في كل تلك الأطراف المتنازعة لديهم من المشتركات التي يمكن الالتقاء عليها والتأسيس من خلالها ما يفوق حالة الإقصاء التي تستنفد فيها طاقات كثيرة.

إن تبني «طاش» للنقد الفكري بديلاً عن النقد الاجتماعي يحول المسلسل إلى مشاهد فولكلورية مصورة لصراعات نظرية، وهو ما وصفه ناقدنا الحاذق محمد العباس ذات مقال بالـ«نكتب المدربة» يقلد فيها فرسان «طاش» بشكل مظهري «شكل» الظاهرة لكنهم لا ينفذون إلى «جوهرها» وكأننا لا نملك إلا حق التفرج على أشخاص يمثلون سلبيتنا ازاء الحياة .

طبقاً للفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه فإن الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يضحك لأنه «أعمق الموجودات شعوراً بالألم ـ فكان لا بد له من أن يخترع الضحك»؛ فالضحك هو الوجه الآخر للبكاء في دراما الإنسان العاقل، ومن هنا تم ترميز المسرح لدى القدماء بقناعين لوجهين أحدهما ضاحك والآخر باكٍ.. وإذا كان الغالب من الناس يمكن أن ينتابهم الحزن لأدنى عارض؛ فإن الضحك كثيراً ما يستل من النفوس استلالاً، فقد لا يفلح مهرج السيرك «البلياتشو» أو المنولوجيست الذي يلقي «الإفيهات» في خلقها.

وحدهم ممثلو الكوميديــا الحقيقيون ـ رحم الله نجيب الريحــاني، وحفظ السدحــان والقصبي ـ الذين يحترفون إضحاك الآخرين كموهبة من الصعب أن تحافظ فيها على قمة نجاحك إلا حين تكون واعياً برسالتك كباعث على البهجة في نفوس الآخرين ومدعماً بفريق عمل جيد يمكن أن يستخرج من تلك الموهبة غاية إمكاناتها وطاقاتها.

وفي خضم جدل تلك الحلقة كانت الكوميديا، التي أثارت ضحكي بشكل حقيقي، ذلك التصريح الحماسي للمخرج المبدع عبد الخالق الغانم في حواره مع موقع «العربية نت» حين سئل عن توقعه لتلقي الليبراليين السعوديين للحلقة حيث قال: «لا يفترض أن يكون لهم أي رد فعل، طالما أنهم يؤمنون بالديمقراطية»!!، وبنفس الشعاراتية خفيفة الدم أقول إيماناً مني بـ«طاش» الكوميدي الذي يخاف كل جمهوره وعشاقه وأنا واحد منهم على مستقبله، ان الغانم وفريق طاش مطالبون في ختام موسمهم الخامس عشر بوقفة مراجعة علهم يتوبوا إلى فنهم الحقيقي الذي طالما أمتعنا من خلال الخروج من «الحلبة»!.