باكستان غدا: اختبار للرئيس .. واختبار للوحدة الوطنية أيضا

mainThumb

01-02-2008 12:00 AM

كل الأمر يتعلق بإزالة بضع مئات من الصناديق لتحل محلها مئات أخرى لكسب المبالغ المرصودة للجائزة.
الإغراء كبير بالتأكيد، وربما يؤكد عدم القدرة على المقاومة.

ظل الناس يفعلون ذلك في الكثير من الدول، وفي مختلف الأوقات. ترى، هل يسد الرئيس الباكستاني الجنرال برويز مشرف أذنيه أمام النداءات التي تطالبه بـ«ترتيب» نتائج الانتخابات العامة المقبلة في باكستان في 18 فبراير (شباط) المقبل.

الطريقة المألوفة في العالم الثالث هي تبديل صناديق الاقتراع لتأمين الأغلبية اللازمة للأصدقاء. الحكومة الكينية فعلت ذلك في الآونة الأخيرة على نحو مفضوح، فيما ليس من الصعب إدراك أن الجنرال برويز مشرف ربما يجد صعوبة في مقاومة إغراء ارتكاب تزوير انتخابي. فقد اضطر العام الماضي لإعلان حالة الطوارئ وإجراء تطهير في المحكمة العليا من بعض القضاة، ومهد الطريق لإعادة انتخابه من خلال هيئة تشريعية يشغل مقاعدها عدد كبير من مؤيديه.

ولذلك، وبانتخاب هيئة تشريعية جديدة تتشكل من برلمان وطني وأربعة برلمانات إقليمية، يكون من الأفضل لبرويز مشرف التقدم باستقالته والسعي لإعادة انتخابه رئيسا. ولكن إذا لم يشكل أنصاره أغلبية في الهيئة التشريعية المقبلة، فمن المحتمل أن يبدي أعضاؤها الرغبة في البحث عن رئيس جديد. وعلى أية حال، فإن النخبة السياسية الباكستانية، التي يرجح أن تعود إلى الساحة، لم تعتبر برويز مشرف واحدا منها.

احتمال عدم رغبة مشرف في الإقدام على هذه المقامرة أمر طبيعي. فبوصفه ضابطا مظليا، ظل يعتمد باستمرار على العمليات الحادة والسريعة الهادفة إلى إخراجه من أي زاوية ضيقة يجد نفسه فيها. أي مشروع لـ«إعداد» نتائج الانتخابات، وهي مسألة تفوقت فيها البيروقراطية الباكستانية، بمثل هذا النوع من العمليات. لا تزال النخبة الباكستانية منقسمة على نفسها ومرتبكة إزاء استراتيجيتها لبذل قدر أكبر من المقاومة.

يمكن القول إن الجيش الباكستاني، بقيادة الجنرال شفيق كياني، مصمم على البقاء بعيدا عن فوضى السياسة، في الوقت الراهن على الأقل.

كما أن الولايات المتحدة، تحت ظل الإدارة الحالية التي تعاني من الضعف، لا بد أن تتماشى مع أي شيء يفعله برويز مشرف حتى إلى ما بعد انتخابات الرئاسة الأميركية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل وانتخابات الكونغرس.

رغم ذلك، يجب على مشرف مقاومة إغراء الاستمرار في السلطة. فالتلاعب في نتائج هذه الانتخابات ربما ينقذ رئاسة مشرف، لكنه من المحتمل أن يدمر باكستان. دعونا نواجه الحقائق. في الوقت الذي تنشغل فيه وسائل الإعلام بالأحداث التي تجري في وزيرستان الجنوبية، التي تشكل أقل من 0.5 في المائة من مساحة باكستان، ليس هناك اهتمام كبير بالصورة الأكبر هناك. وهي صورة تكشف توجهات مثيرة للانتباه في كل المحافظات الأربع التي تشكل مجتمعة جمهورية باكستان الإسلامية. في بلوشستان، وهي كبرى المحافظات من ناحية المساحة وأقلها من ناحية عدد السكان، أدى اغتيال أكبر بوغتي، وهو زعيم عشائري محلي ومتمرد قديم، أثارت تناحرا ربما لا يمكن نسيانه في وقت قريب. فقد أصبحت أجزاء من هذه المحافظة، التي تعتزم باكستان جعلها ممرا بين آسيا الوسطى والمحيط الهندي، مناطق لا يستطيع الجيش الباكستاني دخولها. ويبدو أن فكرة قيام بلوشستان كبرى مستقلة، تستوعب 2.2 مليون من بلوش إيران إلى جانب 1.2 مليون بلوشي يعيشون في باكستان، باتت تجد شعبية وتأييدا أكثر من أي وقت مضى. وإني لأشعر بالدهشة حتى إزاء حديث بعض الرموز المعتدلة وسط البلوشيين حول الانفصال.

محافظة السند المجاورة تشهد أيضا صعودا للجماعات الانفصالية: حيث اتخذ هؤلاء اغتيال بي نظير بوتو سببا لدعم ادعاءاتهم بأن محافظتهم ظلت باستمرار تتعرض لمعاملة سيئة من الدولة. حتى مدينة كراتشي، التي يقطنها حوالي 20 مليون نسمة، ظلت مسرحا لحرب أهلية داخل حرب أهلية. المجتمعات المسلمة المهاجرة التي جاءت الى هناك من مختلف أجزاء شبه القارة الهندية تحاول تعزيز نفسها في مواجهة سكان السند والدولة الباكستانية بصورة عامة.

محافظة الحدود الشمالية الغربية، حيث يشكل البشتون أغلبية، ظلت باستمرار تتقبل الخطابات الانفصالية. كما أنها أصبحت خلال السنوات الأخيرة مركزا لنشاطات العناصر الجهادية في باكستان.

وهناك أحلام التحالف بين البشتون والجهاديين بغزو الأجزاء البشتونية في أفغانستان بهدف تكوين «بشتونستان الكبرى» كي تصبح نقطة انطلاق لفتوحات أخرى باسم نمط الدين الذي تمثله طالبان.

ينظر بنجاب باكستان عبر الحدود الى النصف الآخر من البنجاب التي بقيت جزءا من الهند ليجدوا صورة مختلفة تشتمل على الديمقراطية وتداول السلطة وتغير الحكومات عبر انتخابات وليس عن طريق الانقلابات العسكرية والتمرد. إنهم ينظرون الى الهند وهي تتمتع بمعدلات نمو اقتصادي تصل الى 10 في المائة سنويا في الوقت الذي تصل فيه باكستان بالكاد إلى تحقيق نصف هذا المعدل. الهند يمكن أن تنظر الى نفسها كمنتصرة فيما ستظل باكستان منشغلة بالخوف إذا أصبحت باستمرار خاسرة.

كل ذلك لا يعني أن باكستان مشؤومة. في الواقع ظللت باستمرار أكرر أن الشعور بالانتماء الوطني بدأ يتشكل خلال العقود الخمس السابقة وان جمهورية باكستان الإسلامية تحظي بحب غالبية مواطنيها. إلا ان ما ظلت تحتاج إليه باستمرار هو وجود نظام يعكس الفضاء العام بما فيه التنوع الثري في البلاد.

عبارة «الجمهورية الإسلامية» لا تخفي حقيقة أن في باكستان مجموعة واسعة من «الطرق» الإسلامية، فضلا عن 22 مليون مسيحي و6 ملايين هندوسي. هذا النظام لا يمكن أن يعمل من دون وجود انتخابات حرة ونزيهة. الانتخابات هي البديل للحرب الأهلية. عندما لا تكون هناك انتخابات، أو تكون نتائج الانتخابات قد خضعت للتلاعب، فإن السبيل الوحيد للتعبير عن التنوع والسعي لتحقيق أهداف متنوعة هو الحرب الأهلية.

مشرف لم يكن دكتاتورا عسكريا نمطيا مثل أيوب خان ويحيى خان وضياء الحق. فقد جاء رئيسا للدولة عقب نجاح انقلاب نظمه آخرون. وعلى العكس ممن سبقه من العسكريين، لم يتجه مشرف الى إثراء نفسه. وحاول باستمرار التعامل على نحو يراعي الشرعية والدستورية، لكنه لم ينجح في كل الأحيان. على الرغم من ذلك، فإن مشرف وضع الآن فقط في محك حقيقي. بضعة قادة عسكريين فقط ضحوا بمهنتهم في سبيل تعددية حقيقية. خلال السنوات السابقة يمكن أن نذكر أسماء مثل سوار الذهب في السودان ودينيس ساسو انغوسو في الكونغو برازافيل، وكنعان افرين في تركيا، والأمين زروال في الجزائر. نتائج آخر استطلاعات للرأي أظهرت أن حلفاء مشرف السياسيين لن يحصلوا على أكثر من 20 في المائة من الأصوات في الانتخابات الباكستانية المقبلة. ترى، هل يسمح مشرف للانتخابات أن تعكس المشاعر الحقيقية للباكستانيين حتى إذا جاءت نتائجها النهائية ضد مواقفه السياسية؟ وهل سيحاول أن يؤكد على انه كان على حق في كل المواقف؟ سنعرف إجابات هذه الأسئلة قريبا.