حملة تلقيح

mainThumb

29-10-2007 12:00 AM

ألح السيد المتصل على ان نتناول القهوة. والحقيقة انني فوجئت باتصاله وهو الاول من نوعه. وقلت اذهب ربما كان لديه شيء. شكوى يجب ان استمع اليها او فضيحة ينام على أسرارها. ولا بد ان اعترف هنا بافتقاري الى الحد الأدنى من الفطنة. لم اتوقع مطلقا ان يكون المتصل مصابا هو الآخر بالشبق الرئاسي الذي تحول وباء ينذر بشر مستطير.
اختار زاوية منعزلة في المقهى. انتابني شعور ان الأمر جلل. قلت ان الرجل سيكشف لي اين يقيم شاكر العبسي بطل مذبحة نهر البارد. او انه سيكشف لي ما تعذر على القاضي براميريتز التوصل اليه حتى الآن. بعد التحيات والجمل التي لا بد منها قرر الخوض في صلب الموضوع. قال انه لاحظ غياباً كاملاً لاسمه عن تغطية «الحياة» للسباق الرئاسي المفتوح في لبنان. عقدت الدهشة لساني. سألني ان كان الامر يتعلق بقرار بالتعتيم عليه. وان كانت صحيفتنا تلقت اتصالات بهذا الشأن او تعرضت لضغوط. اجبت ان الصحف تنقل الأخبار ولا تخترعها. وراودتني رغبة في المزاح فقلت له ان طرح الاسماء باكراً يؤدي الى احراقها ونسف حظوظها. وأكدت له ان الصحيفة غير معنية بترويج او تجاهل ولا ترضخ لضغوط اذا وجدت.

قرر السيد ان يصارحني. قال انه لم يفكر يوما بالرئاسة او غيرها. وانه لا يحب المواقع والالقاب. وانه قانع بما حققه في عمله من نجاحات. واعترف بأن اصدقاء له يعرفون قدراته اعتبروا انه الرجل المناسب لهذه المرحلة الصعبة. وانه وافق بعد تردد طويل. وانه لن يبخل على وطنه بوقته وبالعرق وحتى بالدم. وان ليس من حق المواطن ان يتلكأ اذا ما احتاجته بلاده. أكبرت تفانيه وروح التضحية وأملت ان يختتم الحديث عند هذا الحد.

لم يحالفني الحظ. وبدا انني تورطت في جلسة تعذيب طويلة. قال ان ما يحز في نفسه هو قيام جبهة غير معلنة برنامجها الوحيد منع وصوله. لا يريدون وصول رئيس قوي ونظيف. قالها بحرقة تدفع الى التعاطف والتضامن. قال ان اميركا تعارض وصول رجل قوي. ففي عهده لن يتمكن سفيرها فيلتمان من التصرف وكأنه صاحب الدار يحدد المواصفات ويجري الامتحانات ويملي البرامج. عبرت له بوجهي عن امتعاضي من السيد فيلتمان وبلاده. قال ان سورية لا يناسبها رئيس قوي لأنها تريد البقاء لاعبا مقررا في الشأن اللبناني على رغم انسحاب جيشها. وانه يلمس ان حلفاء دمشق يحاولون قطع الطريق عليه. عبرت ايضا عن امتعاضي من هذا الموقف الظالم. لاحظ ان ايران لا يناسبها هي الاخرى وجود رئيس قوي يمنعها من امتلاك ورقة مهمة على شاطئ المتوسط وحدود اسرائيل. ولم يكن امامي غير الابتسام استنكارا لقسوة ايران وافراطها في المخاوف.

وتوقعت ان يبلغني الرجل عزوفه عن خوض السباق بسبب الجبهة الاقليمية الدولية المعادية لوصول رئيس قوي الى القصر اليتيم المسكين المقيم في بعبدا. خانني الحظ. انتقل الى الشق الداخلي. قال ان الرئيس نبيه بري يريد رئيسا ضعيفا ليبقي خيوط اللعبة في يده. وان النائب سعد الحريري لا يريد تولي رئاسة الحكومة في ظل رئيس قوي. وأن العماد ميشال عون يكره كل مقيم في بعبدا سواء كان قويا ام ضعيفا ويكره كل من يزوره القصر في الحلم حتى ولو كان من كتلته او تياره. قال ان لديه انطباعا ان افرقاء الداخل والخارج قد يختارون الفراغ لمنعه من انقاذ بلاده. ولفت الى انه يشم رائحة مؤامرة كبرى لالغائه.

سألني السيد عن الحل. نصحته بالمشي قرب البحر. وتناول المهدئات باعتدال. وانتظار تغير الظروف الاقليمية والدولية. والاهتمام بتربية اطفاله. واقناع السيدة عقيلته ان الفرصة الحالية ليست الأخيرة. لمع الحزن في عينيه. خطر ببالي ان اقترح على البطريرك نصر الله صفير اطلاق حملة تلقيح في طائفته الكريمة ضد الشبق الرئاسي. ثم صرفت النظر لشعوري انني تأخرت.