نهاية العراق الآخر !

mainThumb

29-10-2007 12:00 AM

على مدى السنوات العشر الماضية عرف أكراد العراق ازدهاراً ورخاء تحت مظلة الولايات المتحدة. فمع ارتخاء قبضة النظام في بغداد، كبرت آمال الأكراد في توسيع حكمهم الذاتي، ومعها كبرت طموحاتهم أيضاً. فأصبحت حكومة إقليم كردستان العراق بمثابة "دولة" قائمة داخل دولة فاشلة.
ومن أجل تمتين وخلق ديمومة اقتصادية أكبر للإقليم، يتوق أكراد العراق إلى ضم منطقة كركوك الغنية بالنفط. ولهذا الغرض، تخطط حكومة الإقليم لاستفتاء سكان كركوك–ولكن ليس قبل استكمال مخطط لنقل السكان يقضي بنقل الأكراد إلى كركوك، وإخلاء المنطقة من العرب الذين يقال إنهم نُقلوا إلى هناك خلال حكم حزب البعث. وهذا ما يثير حفيظة العرب -سُنة وشيعة على حد سواء- وهم الذين يخشون تنامي النزعات الانفصالية الكردية، كما أثار كذلك قلقاً في تركيا نظراً لخوف التركمان من أن يُطر?Zدوا هم أيضاً من المنطقة.

وعلى غرار الجدل الذي أثاره مخطط كركوك، فقد أثار توقيع إقليم كردستان العراق عقوداً مع شركة "هانت أويل"، التي يوجد مقرها في الولايات المتحدة، انتقادات حتى من قبل واشنطن باعتباره عملاً يهدد مشروع الإصلاح القانوني العراقي بخصوص توزيع النفط، ويعمِّق التصدعات داخل التحالف الحاكم في بغداد. ومع ذلك، ورغم القلق الإقليمي المتنامي، إلا أن إقليم كردستان العراق يمضي في مخططاته، بل وذهب إلى حد نشر إعلانات حول نفسه في الولايات المتحدة باعتباره "العراق الآخر"، مفتخراً بالاستقرار والأمن اليذين ينعم بهما، ومقدماً دعوات للاستثمار، بل وحتى للسياحة.

قد يفترض المرء أن كل شيء يمضي على ما يرام بالنسبة لإقليم كردستان العراق في مسعاه الهادئ والثابت إلى قدر أكبر من الرخاء والحكم الذاتي. ولكن لما كانت تداعيات "المسألة الكردية" أكبر من العراق، فإن الحقائق الخارجية والضغوط الداخلية قد تبدد قريباً وهم "العراق الآخر".

ذلك أن الروابط القوية، مثل الإحساس المشترك بالظلم، توحد الأكراد في كل من تركيا وسوريا وإيران والعراق. فتاريخياً، تؤثر التطورات -إيجابية كانت أم سلبية- التي تحدث في أحد هذه البلدان على الأكراد في البلدان الأخرى. كما أن جميع هذه الحكومات تراقب التطورات في المناطق الكردية بالبلدان الأخرى لأنها تعي إمكانية امتداد تأثيراتها إليها.

وبالتالي، فقد كان ينبغي توقع أن يشجع ازديادُ الحكم الذاتي للأكراد في العراق الأكراد?Z في إيران وتركيا على الضغط للحصول على حقوق أكثر، أو أن يشجع المتمردين الأكراد المتحصِّنين بالمناطق الجبلية الوعرة في كردستان العراق على شن هجمات داخل تركيا وإيران، مثلما حدث بالفعل.

ولئن لم تكن الهجمات من هذا النوع أمراً جديداً، فإن ازدياد تهديدات كل من إيران وتركيا بغزو معاقل المتمردين في كردستان العراق تسببت في مجموعة من المشاكل. حيث يطال?Zب إقليم كردستان العراق اليوم باستعمال مليشياته لمهاجمة المتمردين الأكراد الأتراك والإيرانيين الذين ينشطون داخل حدوده. وهو أمر سبق له أن قام به من قبل في الواقع، ولكنه متردد في القيام به في هذه المرحلة. وفي ظل قصف تركيا وإيران لمواقع كردية داخل كردستان العراق وتهديدهما بردٍّ أقوى وأعنف في حال لم تتم السيطرة على المجموعات المتمردة، فإن الولايات المتحدة باتت ترى إمكانية اندثار قصة نجاحٍ عراقية، وانفتاح جبهة جديدة ضمن ما سيصبح من دون شك حرباً أكثر فوضوية وصعوبة وتعقيداً.

لقد كان من المفترض فهم كل هذه الأمور قبل بدء الحرب، ولكن ذلك لم يحدث. وهو ما يجعل إحدى أهم توصيات "مجموعة دراسة العراق" صالحة اليوم، مثلما كانت حين كتابة ذلك التقرير. والمقصود ضرورة إنشاء ميثاق أمني إقليمي يجمع كل الطوائف العراقية إلى جانب جيران العراق تحت رعاية الأمم المتحدة، وذلك حتى لا تعال?Zج المشاكل من هذا النوع بشكل جزئي. فلجيران العراق مصلحة مباشرة في استقراره ووحدته؛ وعليه فإنه من الأفضل جعلهم شركاء في تحقيق هذا الهدف بدلاً من أن يكونوا مجموعة من "الحلفاء" أو "الخصوم".

لم يكن هناك ما يبرر تجاهل الحكمة القائلة: "لا تسع?Z إلى الشجار إذا كنت لا تعرف كيف تفوز فيه"، قبل اندلاع هذه الحرب. واليوم، ليس هناك ما يبرر تجاهلها مرة أخرى، بعدما رأينا كيف كانت العواقب، وكيف ستكون إذا حدث تصعيد جديد في إقليم كردستان.