الكون كله يتحجب

mainThumb

26-10-2007 12:00 AM

لكل جيل طريقة تفكيره الخاصة به، وبناء على طريقة التفكير تتعدد وتختلف وسائل الإقناع، ومن المؤكد أن أطفال وشباب اليوم لهم مفاتيحهم الفكرية والعقلية التي لا بد أن ندركها، وبالتالي نجيد لغة الحوار والتفاهم معهم.
في إحدى غرف الانتظار في واحدة من المستشفيات وجدت نشرة دينية تدعو للحجاب بعنوان "الكون كله يتحجب"، هذا هو العنوان الرئيس، أما العنوان الفرعي فهو "الحجاب في الجمادات" والحق يقال إن النشرة ظهرت في صورة جذابة بألوان متعددة، فعلى يسار العنوان هناك صورة للكرة الأرضية كتب تحتها "حمى الله الكرة الأرضية بغلاف قبل أن تعيش عليها المرأة بحجاب" وكما هو واضح من عنوان النشرة هو إقناع بناتنا بأهمية الحجاب، وهذا موضوع شرعي ثابت لا جدال فيه.

ولكن ما أثار دهشتي هي وسيلة الإقناع والخطاب الفكري الموجه لبناتنا في عصر التقنية من قنوات فضائية وإنترنت. إن الوسيلة التي لجأت لها النشرة التوعوية قد تضحك طفلة لا يتجاوز عمرها الـ11 بأهمية الحجاب، فمن الأمثلة التي أوردها الكاتب لحجاب الجمادات في حياتنا ما يلي:

- السيف لولا الحرص عليه ما حفظ في غمده.

- والقلم متحدثا عن ذاته "لا تزيلي غطائي فتفقديني إلى الأبد".

- الهدية المغلفة يلفها الجمال والإبهار وتشد الأنظار. فهل سيكون هذا حالها لو علم ما بداخلها.

- الدماغ كنز الإنسان محفوظ في صندوق عظمي.

- ثم صورة لعظام القفص الصدري كتب تحتها "حجاب سميك عظمي، فما حال حجابك أيتها الغالية؟".

- الخلية النباتية، هل تعلمين أنها تحاط بجدار سميك يدعمها حتى بعد موتها.
وتستطرد النشرة في سرد أمثلة أخرى يهمني نقلها لكم، منها.

- الأحجار الكريمة عظمت في أعيننا وغلت في نفوسنا لأنها تختفي في باطن الأرض عن أعيننا.

- حتى أعضاء التأنيث في الزهرة محاطة بالحماية والستر، أليست أنثى الإنسان أجدر وأولى؟

- الكعبة جليلة القدر رفيعة المنزلة لم تخلع حجابها قط.

- القلب، ألم تفكري كيف سيكون حالك لو لم يسخر لقلبك -مليك جسمك- حراسة مشددة تحميه من الأخطار؟

- ثم صورة لبعض الفواكه كتب تحتها "ثمار مقشرة" النضارة في الحجاب ومن غيره فساد وخراب.

ثم تنتهي النشرة بصورة لسلك كهربائي كتب تحته "المرأة كالسلك الكهربائي إذا انكشفت سببت صاعقة ودمارا".

هذا ما ورد في النشرة كوسيلة تهدف إلى إقناع بناتنا بأهمية الحجاب، وأن الجماد كله يتحجب، ولا أعرف ما العلاقة بين الجماد والإنسان؟ وكيف تقنع أي فرد بسلوك ما لأن الجماد "الذي لا حول له ولا قوة" يسلك السلوك نفسه؟.

وفي النشرة عودة أخرى لموضوع الأحجار الكريمة في وصف المرأة، وأراهن أنه مصطلح سعودي، فله جذوره الثقافية، فنحن من أكثر شعوب العالم حبا واستهلاكا للذهب، فالأحجار الكريمة غالية علينا معززة مكرمة، فقط يا جماعة لأنها تختفي في باطن الأرض.

ثم لاحظوا كيف أننا وفي كثير من الأحيان نريد أن نقوم بعملية تزاوج بين بعض الأمور، حتى وإن كان الأمر نشازا. فمثلا كيف أقارن غطاء القلم، وغمد السيف، والفواكه المقشرة، بحجاب المرأة؟.

وأحيانا في سعينا المضني للبحث عن وسيلة إقناع قد نرسل رسائل مزدوجة، خذوا مثلا ما جاء من ذكر "الهدية المغلفة يلفها الجمال والإبهار وتشد الأنظار" كيف بالله عليكم يكون الحجاب وسيلة لشد الأنظار؟. السبب واضح هو العجز الواضح عند البعض عن الاستعانة بحجج منطقية لا تحتاج منا الدخول إلى أعماق البحار والقفص الصدري والخلية النباتية.

وفي النهاية المرأة السلك الكهربائي الذي قد يسبب الدمار والخراب إذا ما انكشف.

لا أريد أن أقول إن هذا وصف قد يرعب بناتنا الصغيرات، وفيه مزيد من التشجيع على التركيز على المرأة فقط في موضوع العفة والشرف. أين النشر من مفاهيم العفة والكرامة واحترام وتقدير الذات كهدف من أهداف الحجاب الشرعي؟ بدلا من الجمادات السابقة الذكر. ثم بالله عليكم ألا نحتاج نشرات دينية للذكور تدعوهم لغض النظر، والحفاظ على المرأة، وكأنها أخته أو ابنته؟. إن الخطاب الديني في كل مراحله لم توجد فيه هذه الأحادية في التوجيه، بل كان خطابا ثنائيا موجها للجنسين دون تفرقة، ولم يوضع الحفاظ على المجتمع على طرف واحد. ودون أن يختبئ أحدهما تحت الأرض للحفاظ على شرفه وعفته ومنع الفتنة وليهذب غرائز الآخر، بينما يمشي الطرف الآخر على السطح باحثا ومنقبا إن رأى طرفا لأنثى قامت قيامته وزلزلت الأرض من تحته.

والحقيقة أن النشرة ذكرت عددا لا بأس من الجمادات، ولم يبق إلا مثل ثقافي لصيق بنا "المرأة مثل البترول نحفظه تحت الأرض ونخرجه متى شئنا لنستفيد منه".