خريف التسوية أم بدايتها ؟

mainThumb

03-11-2007 12:00 AM

يفترض أن نشهد في أواسط الشهر الحالي حلقة أخرى في مسلسل الاجتماعات بين “الإسرائيليين” والسلطة الفلسطينية، التي تمهد، كما يقال، لانطلاق مفاوضات الوضع النهائي المستقر للشعب الفلسطيني. غير أن أعمال هذه الحلقة يكتنفها الغموض كالعادة، لأن الأمريكيين و”الإسرائيليين” لا يريدون إعطاء أي كلام مفهوم ومحدد عن أي إجراء عملي، وفي أي زمن واقعي محدد، بل يدعون فقط للقاء والحوار تحت عناوين فضفاضة لا تلزمهم عملياً بأي شيء على الإطلاق.
ما من شك في أن الولايات المتحدة ليست جادة في إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية، كما يؤكد البعض، في دعوتها لعقد لقاء دولي في أنابوليس وما كانت جادة في هذا الموضوع منذ مدريد حتى يومنا هذا.

فانحياز أمريكا المطلق إلى “اسرائيل” لا يحتاج الى دليل. كما أن عداءها للعرب وقضاياهم تؤكده كل يوم في العراق ولبنان وفلسطين والسودان، وعملية إعادة رسم خريطة المنطقة ونشر الفوضى والفتن في ربوعه تجري على قدم وساق.

وإذا كانت أمريكا جادة هذه المرة، كما يروج البعض وهي ليست كذلك، فإن جل ما تسعى إليه هو استثمار هذا الحراك السياسي لضمان أقل التنازلات السياسية والجغرافية الممكنة من جانب “إسرائيل” والحصول على أكبر التنازلات الممكنة من الجانب الفلسطيني، وتجميد القضية من اجل التفرغ لأجندات أخرى أكثر إلحاحاً في سلم أولويات المصالح والخطط الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، وعلى رأسها المضي في مشروع تقسيم العراق إلى ثلاث دول: حيث تضمن استمرار تمزيق العراق في حالة خروجها منه، ولأن التقسيم سيحمي ماء وجهها وسيغطي على فشلها في إقامة الأمن والنظام والقضاء على حركات المقاومة العراقية، التي أخذت تزداد شراسة ونضجاً يوماً بعد يوم.

ومن جهة ثانية التحضير لعدوان على إيران التي باتت تمثل كابوساً يطارد أمريكا في كل مكان في العراق وأفغانستان، مروراً بباكستان وصولاً الى لبنان وفلسطين . أما داخليا، فقد فقدت الإدارة الأمريكية الكثير من شعبيتها ومصداقيتها واستفحل الجدل والمناكفات السياسية بين الإدارة والكونجرس، ووصلت أوجها في ظل المواجهات المتتالية بين رؤية البيت الأبيض ورغبات الكونجرس.

إذاً، فالغاية الرئيسية من اللقاء هي بناء تحالف دولي وإقليمي لأهداف عدوانية أمريكية و”إسرائيلية”. وفي هذا السياق كتب شاؤول سنجر في صحيفة “الجيروزاليم بوست”: “في كل مرة يقرر فيها البيت الابيض شن حرب على نظام في المنطقة تقوم الخارجية الأمريكية ببناء تحالف دولي من أجل ذلك”.

ولا بد من القول: إن أي تصعيد إقليمي، سواء شاركت فيه “إسرائيل” أو لم تشارك، سيعطي “إسرائيل”. فرصة توجيه ضربة إلى قطاع غزة في غفلة من الزمن ومن دون أن تلتفت الدبلوماسية الدولية، ومن دون أن يلتفت الإعلام الدولي إلى ما تقوم به “إسرائيل” من عمليات حربية بالغة القسوة والتعقيد. وهو ما ينذر بأن الضربة “الإسرائيلية” القادمة ستكون الأكثر عنفاً في تاريخ قطاع غزة، وبخاصة بعد إعلان “إسرائيل” بأنه إقليم معاد، وتعاملها معه على هذا الأساس!

وقد رأينا كيف بدأت “إسرائيل” بتطبيق قرار خفض كميات الوقود والمحروقات التي تمر إلى غزة وتهدد بقطع التيار الكهربائي وتواصل قتل مدنيين وقصف مناطق مأهولة بالسكان المدنيين بالقطاع.

والسؤال المرّ هذه المرة: لماذا يستجيب الفلسطينيون والعرب للدعوة الى لقاء بلا أجندة واضحة وبلا جدول زمني، أو حتى بلا أي إعلان “إسرائيلي” يبدي الاستعداد لحل شامل ولانسحاب شامل من الأراضي المحتلة، من دون أن تكون هناك ضمانات دولية تجبر “إسرائيل” على الالتزام مثلا بالقرارات الدولية ضد الاحتلال والاستيطان؟

إن القصة كلها أكذوبة كبيرة وتكمن خلفها مآرب أمريكية “إسرائيلية” أخرى تتعلق من جهة بفلسطين والعراق وتطبيع العرب مع “إسرائيل”، وتتعلق من جهة أخرى باستهداف وضرب إيران وإشعال النار في كل المنطقة.

والآن في هذه المرحلة، أي قبل أيام أو أسابيع قليلة، من انعقاد ما وصف بلقاء بوش أو لقاء الخريف، ثمة ما يستدعي مخاوف، ليس من الفشل فقط إنما من غموض أمريكي يتصل بمرجعيته أو من أجندته السياسية.

وهنا ثمة سؤال: هل جاء لقاء بوش بعد جهد دبلوماسي مكثف وإعداد جيد لضمان نجاحه؟ أم أنه مجرد توجه أمريكي لفتح نافذة في الجدار المسدود تفتح بدورها نوافذ جديدة للمشروع الأمريكي الاستراتيجي لشرق أوسط جديد؟

وفي التحليل السياسي، وفقا لتقارير ومعطيات، تقول: إن الرئيس جورج بوش لا يريد من هذا اللقاء الذي دعا إليه سوى خلق حالة جديدة في العلاقة الفلسطينية “الإسرائيلية”، لأن السلام الذي يصر على تحقيقه رئيس وزراء “إسرائيل” إيهود أولمرت بعيد جدا. علاوة على أن هناك مصاعب ومخاطر لابد من تجاوزها أولاً وأخيراً، ولذلك نرى في الأفق من يعتقد أن الدعوة إلى المؤتمر، إن تمت بالصيغة المعلنة، فهي تحقق “تطبيعاً” مجانياً مع “إسرائيل”، أي بعكس ما جاء في المبادرة العربية للسلام.

وحسب هذا الرأي، فإن من شأن هذا المؤتمر إرضاء بعض الدول عربية التي أصبحت محرجة أمام مخاوف من تفاعل الداخل فيها، ولذا فهي طالبت بوش بإعطاء اهتمام حقيقي للقضية الفلسطينية التي هي مصدر الاحتقان في المنطقة.

ليس أمامنا في وقتنا الراهن سوى الانتظار لنرى ما ستسفر عنه الأيام المقبلة، وهل سيكون لقاء بوش هو خريف السلام أم بدايته التي ننتظرها جميعاً بفارغ الصبر، بيد أننا نرى أن صبرنا سيطول نوعاً ما، وعلى رأي مثلنا العربي الشهير “المؤمن لا يلدغ من الجحر مرتين”.
 
* كاتب بحريني