مصر تتحدث عن نفسها - عبد الناصر سلامة

مصر تتحدث عن نفسها - عبد الناصر سلامة

09-08-2013 03:38 AM

برغم أنف السياسيين‏,‏ والمتسابقين إلي اعتلاء المنصات والكراسي‏;‏ خرج ملايين المصريين أمس إلي صلاة العيد‏,‏ ثم إلي المتنزهات والحدائق‏,‏ غير عابئين بما يدور حولهم من أزمات‏,‏ ليسجلوا حقيقة واضحة في تاريخهم‏,‏ تتمثل في البحث عن الفرح‏,‏ نافضين غبار شهور طويلة من الجدل والانفلات وسفك الدماء‏,‏ في إصرار واضح علي أن مصر باقية بشعبها وتراثها‏,‏ والمجادلين زائلون‏,‏ والمحرضين هم المهزومون‏.‏


هذه هي الحقيقة التي لا جدال فيها, وهي أن شعب مصر, بطبيعته, يركن إلي السلام, وإلي التسامح, وإلي العفو, وينشد الاستقرار, والأمان, ويبحث عن الفرح والبهجة, وما الأيام الخوالي إلا سطر استثنائي في تاريخ طويل من الود والتكافل والتراحم, بين أبناء الوطن الواحد, دون النظر إلي عرق أو دين, أو مذهب, وإلا لانساقت مصر بشعبها منذ اللحظة الأولي إلي ما لا تحمد عقباه من صراع دموي مرير, وما حال الأقطار من حولنا ببعيد.

ففي خضم أحداث التهديد والوعيد, من هنا وهناك, تحدثت مصر عن نفسها أمس في المتنزهات, وحدائق الحيوان, والمراكب النيلية, والسواحل البحرية, والنوادي, والتزاور, والألعاب النارية, رغم أن حديث الساعة في كل موقع, كان الشأن المحلي بحكم أهميته.. وبرغم أن التوتر كان سمة عامة, وبرغم أن القلق كان واضحا علي الوجوه, فإن أحدا لم ينس أو يتناس أبدا أن مصر فوق الجميع, وأنها أكبر من مجرد صراع سياسي, أو شجار أيديولوجي.


هي رسالة بعث بها ملايين المصريين أمس إلي الساسة وأولي الأمر, مؤداها أننا شعب يريد أن يعيش, وأننا شعب قد ضاق ذرعا بكل المناوشات الحاصلة, وأننا شعب قد ضج من ممارسات كل القوي الموجودة علي الساحة, وكفانا تشددا, وكفانا تعصبا, وكفانا تحزبا, ولتظل لغة الحوار هي الطريق الوحيد لحل أزماتنا, ولغة التسامح هي النموذج الأمثل حين مناقشة قضايانا, وسياسة الاحتواء وعدم الإقصاء هي الأيديولوجية التي تجمع بيننا.


فقد كان آخر ما يمكن أن نتوقعه هو أن يكون الشأن المحلي المصري سداحا مداحا للعرب والعجم علي السواء, يدلون فيه بدلوهم المشبوه, ما دامت لغة العقل والحكمة قد توارت بين المصريين أنفسهم, وقد كان آخر ما نصدقه هو أن تتراجع المبادرات المحلية لحل مشكلاتنا أمام أطروحات الآخرين وتدخلاتهم, وكأنهم أدري بشعاب مصر من أبنائها الذين جابوا الأرض تعقلا وحكمة, إلا أنهم عقموا حينما تعلق الأمر بوطنهم, وتواروا حينما تعلق الأمر بمستقبلهم ومستقبل أبنائهم.


هذه هي المأساة الحقيقية, التي نحن بصددها الآن, وهي أن التدخلات الخارجية لم تأت من فراغ, ولم تفرض نفسها بين ليلة وضحاها, وإنما كانت نتيجة طبيعية لقصور فينا, أو لغياب ضمائرنا, وإلا فإننا لم نصل بعد إلي سن الرشد التي تؤهلنا لحكم أنفسنا بأنفسنا, فكان استدعاء هؤلاء وأولئك أمرا حتميا, علي اعتبار أن أزماتنا يمكن أن تلحق الضرر بمصالحهم, وهذه هي الحقيقة التي قد لا نعيها نحن, في الوقت الذي يفطن إليها الآخرون.


إلا أن ما يجب أن نفطن إليه نحن, هو أن طول أمد هذه الصراعات سوف يجعلنا في القريب نبكي علي اللبن المسكوب, بعد أن تكون الأوضاع قد خرجت عن السيطرة, وهو الأمر الذي يجعلنا نطالب وبإصرار بالإسراع إلي تدارك الموقف من خلال مائدة الحوار, ولن نصدق أبدا أن مصر قد نضبت من الخبرات التي يمكنها احتواء مثل هذه الأزمات دون إراقة دماء, كما يجب ألا نستسلم أبدا أمام من يسعون إلي إغراق الوطن في فوضي العنف والدم, وبالتالي فيجب ألا نيأس مادامت هناك نيات صادقة تحمل علي عاتقها مهمة إخراجنا من هذه الكبوة.


سوف نظل نثق في دور الأزهر في هذا الشأن, وندعم مبادرات القوي العاقلة في المجتمع, ونطمع في مزيد من صبر قواتنا المسلحة, وفي الوقت نفسه سوف نظل نطالب القوي السياسية والثورية بأن تكون علي مستوي المسئولية في هذه المرحلة التي إن انفلت زمامها فلن يكون هناك غالب ومغلوب, فكلنا سوف يدفع ثمن هذا الانفلات, وكلنا سوف يكتوي بنار هذا الشطط الدخيل علي المجتمع المصري الذي يستحق منا المزيد من الجهد والكثير من التنازلات.


وإذا كانت هناك قوي في المجتمع ممن أغراها الشطط, وأغواها العنف, فإننا علي يقين أنها سوف تكون أول المتبرئين منه حين استشرائه, وأول المتنكرين له حين وقوعه, وذلك امتثالا لإرادة الغالبية العظمي من الشعب التي ترفض ذلك وتتبرأ منه, وما ميادين الاحتفال بالعيد أمس إلا أكبر رد علي ميادين المنصات والخطابة بكل اتجاهاتها, إن مع أو ضد, وذلك لأن ميادين الفرح والبهجة كانت تمثل جموع الشعب المصري الطبيعية, بملايينها الحقيقية, دون خداع بصري أو عددي, في إشارة واضحة إلي أن هذه هي مصر التي تتحدث عن نفسها.

 

* الاهرام المصرية



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد