الإمبريالية: من حيث هي «مفهوم» ومن حيث هي «صنم»

الإمبريالية: من حيث هي «مفهوم» ومن حيث هي «صنم»

18-04-2026 01:51 AM

يكثر اليمين المتطرف – عبر العالم – من استخدام شماعة التداخل بين اليسار – أو ما بقي منه – وبين الإسلام السياسي، ويكثر غير قليل ممن يواظبون على استهلاك شعاراتهم تحت يافطة اليسار من الانسياب بالفعل إلى حيث التفريط بكل مرتكزات وقيم عصر التنوير، بدعوى أنه قد عازته الكونية، وبقي رهين «المركزية الأوروبية»، فيفقدون بالتالي وجه الصلة بما يفترض أن يعنيه التنوير من محاذرة أن يُستلب العقل البشريّ كأداة للاعقل، ومحاذرة أن يكون العقل مكابراً على حدود ما في استطاعته في الوقت ذاته.
ولئن كانت العقلانية في كثير من الأحيان تأتي باردة جافة، ما يسوّغ الحاجة الى نفحات من الرومانسية، ولئن كان اليسار عبر تاريخه المتعرج منذ قرنين ونيف يحتاج بين كل فينة وفينة إلى جرعات من هذه الرومانسية، يظهر أنه في عالم اليوم ما عاد صنف من اليساريين يلاقي ضالته تلك إلا في صحبة الإسلاميين. هذا، بدوره، يستوجب منهم، «رمنسة» الإسلام السياسي نفسه، وهو ما يطيب للإسلاميين تارة، ويحملهم على التبرم تارة أخرى.
ليس من الضرورة أن يهيم اليساري بكل شتات الإسلام السياسي. يكفيه أن يختار منهم الصنف الذي يوافق التعويض عن أحلامه «المتكسرة». هنا يجد اليساري في الإسلاميين «جودة تعبوية»، على تماس مع الفئات الشعبية الواسعة، وهناك يجد فيهم «الجدّة الكفاحية» التي تلبسته دهراً ثم ابتعدت عنه. يبقى أن العنوان الأبرز لأكثر أشكال «تسويغ» الهيام بالإسلاميين في معشر اليسار ما اتصل بديباجة مكافحة الإمبريالية.
ليس من الضرورة أن تكون مقولة الإمبريالية قد فقدت كل راهنية ممكنة لها. لكنها، في أقل الإيمان أكثر ما تحتاجه فإلى الاستصلاح. الاستعانة على فهمها بأدبيات كان ترصد سماتها إبان الحرب العالمية الأولى لم يعد مجدياً. وقبل بعد كل شيء، القصة بالأحجام. عندما تكون قلة من اليساريين رهينة تحالف من جانب واحد – مخيلتها هي – مع كثرة من الإسلاميين، يرتسم قانون العدد بالدرجة الأولى، هذا إذا ما غفلنا عما كان يسمى في وقت مضى «الشروط اللينينية للتحالف»، أي الاتفاق على هدف مشترك، وعلى وسيلة مشتركة لتحقيق الهدف المشترك، وصيانة حرية نقد الحليف. وكما أنها قصة عدد، فهي أيضاً قصة أمد. قد تفهم أن يقوم تقاطع مع الإسلاميين لعام أو عامين، انما أن تجري المواظبة على هذا الموال عقداً في تلو عقد، فأي انفكاك من بعد هذا السبات المستدام يرتجى؟
في النطاق العربي بالتحديد، لم يعد من الممكن إحياء أي يسار كان من دون إعادة نظر بنصف قرن من الانتظارات الهائمة بالإسلاميين. على الأقل، كانت ممانعة الأحزاب الشيوعية أمام الشوفينية القومية العربية أكثر حيوية في الخمسينيات والستينيات، قبل الاستسلام في نهاية الأمر لهذه القومية، ثم التعويل المديد للخليط المتبقي من الشيوعيين والقوميين على الإسلاميين، مع الشكوى في الوقت نفسه بأن هؤلاء الإسلاميين لا يطورون ثوريتهم كما كان يمكنها أن تطور طالما أنهم يكابرون على نجاعة الفكر اليساري «العلمي» المتخيل. بالتالي، يحدد هذا اليسار وظيفته التاريخية في تسديد باقة من «أدب النصح» للإسلاميين، ويساجل بعنفوان ضد متحدرين من الماضي التقدمي نفسه، أخذوا من جهتهم يحترفون «أدب تسديد النصح» للإمبريالية وأصدقائها في الإقليم.
واحد من المسالك – وقد تأتي منه منفعة – لإعادة «ضخ المعنى» لمفهوم الإمبريالية هو الدراية بتشابك حيوي من الأفكار النافية، من موقع اليسار، لراهنية هذا المفهوم. بدءا من انطونيو نيغري ومايكل هاردت في كتابهما «الإمبراطورية» مطلع هذا القرن، حين ربطا الإمبريالية بعصر سيادة الدولة – الأمة وتوسعها في آن خارج حدودها، فاعتبرا أن العالم ما تجاوز هذه العتبة، بل هو يتجه نحو إمبراطورية عالمية منزوعة المركز ومتخففة من المحددات الترابية. وهناك الكندي مويشيه بوستون الذي أرجع «معاداة إمبريالية إلى نزعة صنمية، بل اتهم مناهضي الإمبريالية بأنهم مناهضون للرأسمالية بشكل زائف، يهاجمون «توزيع» القوة بدلا من فهم منطق القيمة من حيث هي بنية اجتماعية للزمن في الرأسمالية، وبالتالي تصير مناهضة الرأسمالية زائفة عندما يجري فصل المجرد عن الملموس في وحدة منطق القيمة هذا.
مناهض الإمبريالية النمطي لدى بوستون هو «رأسمالي دون أن يدري» لأنه في حين يواجه الواجهات المالية والعسكرية للنظام العالمي، يظل مدافعاً عن العمل كقيمة وعن الدولة كإطار، وهما الركنان اللذان تقوم عليهما الرأسمالية. هو يهاجم «الظلم في التوزيع» لكنه ينحني أمام صنم القيمة، ويرى بوستون أن هذا التفكير يرتبط عضوياً بآليات معاداة السامية. وهناك ويليام آي. روبنسون الذي انطلق من أن الرأسمالية استكملت توسعها الجغرافي ولم يعد هناك مناطق «ما قبل رأسمالية» لغزوها. وهناك عالم الاجتماع من أصل هندي فيفك تشيبر المفكك الذكي لطروح ما بعد الكولونيالية، والذي أظهر كيفية انحطاط مفهوم الوعي الزائف وخطل اللجوء إلى تفسير تراجع ثورية العمال والكادحين بالأدلجة والدعاية والإعلام بدلا من الاعتراف بأن الرأسمالية تفرض «مصفوفة» من الضغوط المادية تجعل القبول بالنظام خياراً عقلانياً للعامل الفردي قوامه تحاشي المخاطرة. فقد طعن شيبر بهالة مفهوم «الهيمنة» الغرامشي المصدر. فالعامل يدرك تماماً أنه يتعرض للاستغلال، ويدرك أن صاحب العمل يربح من عرقه هو، لكنه يختار عدم التمرد ليس لأنه «مهيمن عليه ثقافياً»، بل لأنه عقلاني ويعرف أن تكلفة الإضراب أو الاحتجاج هي فقدان عمله، وتشريده، وتجويعه. رفض شيبر فكرة جماعة «دراسات التابع» – مثل ديبش شاكرابارتي. هؤلاء انغمسوا فوق اللزوم في تصوير الطابع الناقص للرأسمالية خارج الغرب. عند شيبر أن الرأسمالية عندما تتوسع عالميا فهي لا تهدف إلى تشكيل العالم على صورة إنكلترا. معيارها عالمية منطق تراكم رأس المال. عندما تكون القبيلة أو الطائفة أو الكاست مساعدة على هذا التراكم وعلى خفض تكلفة اليد العاملة تبقي عليها. لم ينف تشيبر الإمبريالية بالكلية، وانما اهتم بمناقضة كل تفكير من شأنه تعريف الإمبريالية بأنها هيمنة ثقافية.
بالتالي، فكرة أن هناك يسارا ينفي أو يتخفف فكريا من موضوعة الإمبريالية يفترض أنها لا تكون – في أقل الإيمان – بالأمر المستهجن. وهنا لا يجري الحديث عن الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية في الأممية الثانية وكيف تنامى فيها تيار تسويغ الاستعمار. حتى الاشتراكي الفرنسي جوريس، كانت له في بداياته مواقف مؤيدة لاستعمار شمال افريقيا. آخرون ذهبوا أبعد: بأن المطلوب تحسين إدارة العملية التمدينية التي يقوم بها الاستعمار وليس انهاءها. وهذا يفسر الى حد كبير لماذا لم يكن النموذج الاشتراكي الديمقراطي مغريا لأبناء المستعمرات.
فقط حين يجري التنبه الى أن الإمبريالية ليست فكرة بديهية من موقع الماركسية واليسار يمكن أن تكون هناك قابلية لاستصلاحها. آذاك يمكن أيضا أخذ مسافة عن طروح نيغري وهات أيضا. فالدولة الأمة لا تزال بألف روح. ما تنامى هو السمة البيروقراطية للرأسمالية وليس فقط السمة الافتراضية لتوسع رأس المال المرتبطة بغلبة «العمل اللامادي». رأس المال ليس حركة تقنية أو شبكية. بل علاقة اجتماعية تتطلب جهازا لإعادة إنتاجها. وكلما ازداد التجريد في سمة رأس المال ازدادت الحاجة الى الوساطة التنظيمية وكلما أصبح العمل غير قابل للقياس المباشر، ازدادت الحاجة الى آليات قياس «قسرية». بخلاف المنظار الذي يفيد أننا لم نعد في عصر الإمبريالية – نيغري وهاردت والمنظار الذي يفيد بأننا لم نعد في الرأسمالية بحد ذاتها – فاروفاكيس بل في عصر التكنو-فيودالية – فقد نكون في عصر لم يعد هناك فيه أي فارق بين المفهومين: الرأسمالية والإمبريالية. بما في ذلك الفارق الذي بقي موجودا في نظرية لينين المعبر عنها في كتابه الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية. ففي حين حافظ لينين على تمييز نسبي بين الرأسمالية كمنطق إنتاج، والإمبريالية كطور تاريخي–سياسي لتمركز رأس المال وتصديره، فإن هذا التمييز بات اليوم غير قابل للفصل. لم تعد الإمبريالية «مرحلة» لاحقة على الرأسمالية، ولا أداة من أدواتها الخارجية، بل غدت شرط وجودها المباشر. «مكافحة الإمبريالية» بمعيار «تكتيل القوى وتقاطعها» لا ينفع كثيرا إزاء هكذا مآل.

٭ كاتب من لبنان



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد