الذكاء الاصطناعي يُصدّر للبشرية ظلاماً دامساً

الذكاء الاصطناعي يُصدّر للبشرية ظلاماً دامساً

18-04-2026 01:53 AM

أغمض عينيك قليلًا ثم استرخِ، حاول أن تتذكَّر كيف كانت الحياة دون شبكة الإنترنت. ومع ذلك التأمُّل السريع، حاول أن تجعله أعمق، وتخيَّل نفسك تحمل هاتفًا جوَّالًا من النماذج الأولى، تلك التي كانت ضخمة ذات «إيريال هوائي»، والتي كانت تتاح فيها إمكانية واحدة، ألا وهي الاتصال بفئة قليلة من البشر أتيحت لهم رفاهية الحصول على هواتف جوَّالة، وتستطيع، مثلك تمامًا، أن تتحمَّل تكلفة المكالمة الباهظة.
وبمرور الأيَّام وتطوُّر كلّ من شبكة الإنترنت والهاتف الجوَّال، أصبح كلاهما صديقًا ورفيقًا لا غنى عنه، وخاصةً بعد اندماجهما في هاتف ذكي ذي إمكانيات دائمة التطوُّر ليتماشى مع التطورات السريعة التي تطرأ على سرعة وإمكانيات شبكة الإنترنت.
وبصفة عامة ودون الدُّخول في تفاصيل تطبيقات مثيرة للجدل، لا تزال الغالبية العظمى من البشر تشعر بقيمة شبكة الإنترنت وأهميتها، ويؤكّد الجميع أن الحياة من دون ذلك الجهاز ضرب من الجنون؛ لأنه ببساطة قد تغلغل في مفاصل الحياة، وصار أداة يستمتع بالتعامل معها الصغار والكبار، مما صنع منها رفيقًا للدرب؛ فهو المُعلِّم، وموسوعة المعلومات، وأساس وسائل التواصل الاجتماعي والاتصالات المسموعة والمرئية. وأخطر من ذلك، صار الوسيلة التي تنقل الأخبار الإعلامية لحظة بلحظة.
كل هذه المنافع الملموسة للفرد العادي، وثمة الكثير غيرها التي يستفيد منها المتخصصون. ومع شيوع استخدام التواصل عن طريق شبكة الإنترنت، اشتهرت مقولة «العالم أصبح قرية صغيرة». لكن بمرور السنين، أصبح البشر جزراً منعزلة للسبب نفسه، بل وتفشَّت الريبة بينهم، وصار الأفراد لا يفضِّلون التواصل البشري سواء ماديًا أو حتى من خلال التطبيقات التي استحدثت بسبب وجود الإنترنت. والطريف أن هناك دراسة حديثة أجريت عام 2026، أوضحت أن «الجيل زد» يخشى الردّ على المكالمات الهاتفية؛ لأنه يفضل العُزلة. ولهذا السبب، يصعب توظيف هذا الجيل في وظائف تتطلَّب التواصل البشري، وأهم تلك الوظائف مراكز الاتصال الخدمي ووظائف السكرتارية، بل ويمكن إضافة وظائف التسويق والوظائف التي تتطلَّب خدمة العملاء بشكل مباشر، كما الحال في المصارف، على سبيل المثال لا الحصر.
وتجدر الإشارة إلى أن شبكة الإنترنت لم تفاجئ البشرية بوجودها وفرض سيطرتها بين عشية وضحاها، بل أثبتت وجودها في العالم تدريجيًا على مدار عقود طويلة. لقد بدأت في شكل شديد التواضع في شكل آلة لتخزين معلومات محدودة إبَّان الحرب العالمية الثانية، إلى أن تم تطويرها بعد ربطها بمنظومة اتصالات بدءًا من سبعينيات القرن الماضي. واستمرَّت جهود تطويرها إلى أن تم افتتاحها واعتمادها رسميًا في غرة يناير من عام 1983، وبعدها توالت جهود تطويرها إلى مركز معلومات. وقد تتذكَّر الأجيال السابقة أن هذا التطوير أخذ جهدًا كبيرًا ومتواصلًا استمرّ عقوداً طويلة تالية. وخلاصة القول، إنه بالرغم من السلبيات التي قد تحيط بالاستخدام المكثَّف لشبكة الإنترنت، لكنها لا يزال أحد أعظم الإنجازات العلمية التي تفيد البشرية بشكل قوي ومباشر.

ومن النَّاحية الأخرى، خرج للعالم منذ نحو الخمس سنوات العالم «جيفري هينتون» Jeoffrey Hinton معلنًا عن وجود وطرح الذكاء الاصطناعي كحقيقة ثابتة لا يمكن تلافيها، ولا مناص منها. وبالرغم من أنه في عام 2024 تم منحه جائزة نوبل؛ بسبب هذا الاكتشاف المذهل، لكن كان من المثير والغريب أنه حتى قبل منحه الجائزة، أعرب عن ندمه لأنه سمح لهذا المشروع بالتغلغل في البشرية. أضف إلى هذا، أن «هينتون» كرَّس نفسه بعد الإعلان عن تداول الذكاء الاصطناعي كسلعة تجارية متاحة للاستخدام من قبل أي فرد، وكرَّس نفسه أيضاً للتنويه عن مخاطر الاستخدام الموسَّع للذكاء الاصطناعي، وكأنه كان مدفوعًا دفعًا للإعلان عن هذا الاكتشاف بوصفه مسؤولاً عن جميع تفاصيل تصنيعه.
ويزداد الأمر غرابة وغموضًا بمعرفة أن الذكاء الاصطناعي كان موجوداً بالفعل منذ حقبة خمسينيات القرن الماضي. لكن الأغرب أنه لم يطرح لأي استخدام بشري تجاري، كما حدث للإنترنت، وإن كان ممكناً استخدامه منذ سبعينيات القرن الماضي كأداة لحل المشكلات. لكن تغلغله على هذا النحو في جميع المجالات بخطى متسارعة، مع الإعلان عن القليل من الأسماء التي أسست هذا النظام الهادم الصادم، هو بالفعل أمر يثير الريبة، وخاصة أنه موجه لصنع شيء واحد فقط، ألا وهو الروبوت الهيومانويد Humanoid Robot الذي يحاكي الإنسان تمامًا في كل الخواص، لكنه يتفوَّق عليه في الذكاء وحلّ المشكلات. أما الأمر الذي يثير الدهشة حقًا فهو أنه تم تصنيع روبوت، أو كما كان يدعى سابقًا «الإنسان الآلي»، في خمسينيات القرن الماضي، أي قبل ظهور الإنترنت. وبإعمال العقل، هل تم تصميم الإنترنت لخدمة تصنيع الذكاء الاصطناعي، أم أنّ الذكاء الاصطناعي كان موجوداً بالفعل واحتاج إلى تدريب كي يتمكَّن من مفاصل البشرية ويتفوَّق على البشر، ولهذا تم طرحه تجاريًا؟

وبمقارنة وجود الإنترنت بحضور مرعب للذكاء الاصطناعي، يتضح أن الإنترنت كان مجرَّد أداه تكنولوجية هدفها خدمة البشرية وتسهيل أنماط الحياة للمساعدة في تسارع النمو الاقتصادي والرقي البشري، أي ما يسمى بالاقتصاد الرقمي Digital Economics. وعلى النقيض، يقبع الذكاء الاصطناعي على الجانب الآخر؛ فأول إنجازاته تدمير البشرية ببطء، لدرجة أن يقدِّر الخبراء أنه خلال السنوات القليلة القادمة، التي ربما تكون أقل من عشر سنوات، لن يجد نحو 99% من البشر وظائف توفِّر لهم سبل العيش؛ فسيكون الذكاء الاصطناعي هو البديل.
فلم يتنبَّه البشر أن طرح نسخ قاصرة من الذكاء الاصطناعي على جميع الأجهزة الذكية الغرض منها هو تدريب هذا الكيان المرعب على أنماط التفكير المتباينة بين البشر. وفي حين أصبحت الغالبية العظمى تقريبًا من تطبيقات الذكاء الاصطناعي غير متاحة إلَّا باشتراك نقدي في الدول المتقدمة، لا يزال الكثير منها متاحًا في الدول التي لا تماريها تقدُّمًا؛ والسبب ليس لمراعاة الظروف الاجتماعية والاقتصادية لتلك الدول، بل لتدريب نظم الذكاء الاصطناعي على الأنماط العقلية للدول الأقل تقدُّما لمعرفة كيفية السيطرة على البشر الموجودين فيها.
أضف إلى هذا، كان لضمان الحصول على أفضل النتائج من تطبيقات الذكاء الاصطناعي معرفة كيفية كتابة السؤال بطريقة صحيحة؛ من أجل الحصول على إجابة ناجعة. ولهذا الغرض، تم تنظيم دورات تعليمية ومناهج تدريس جامعية تدور حول هذا السياق؛ لتدريب الأجيال القادمة لتغدو قادرة على التواصل مع الذكاء الاصطناعي بصورة صحيحة، في ظل دراسة ما يسمى بـ «هندسة صياغة السؤال» Prompt Engineering. بيد أنَّ ما حدث خلال الأشهر الماضية، نثر تلك الآمال في أدراج الرياح، وخاصة أن هذه الآمال جميعها تفترض استمرار الهيمنة البشرية على تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وقدرة البشر على توجيهها، وليس العكس. فلقد أثبت الواقع أنّ تلك التدريبات أصبحت بلا قيمة؛ لأن الذكاء الاصطناعي أصبح نفسه قادرًا على تمييز متطلَّبات الفرد، وتحديد نوع الأعمال المراد إنجازها، وتحديد أفضل المعلومات التي يجب تقديمها، بناء على متطلَّبات كل فرد على حدة؛ أي أن تطبيق الذكاء الاصطناعي يعمل على تعديل السؤال والإجابة عنه دون أي لجوء لتدخُّل بشري، والسبب أنه فهم متطلبات كل فرد من خلال مراقبة جميع تصرُّفاته وسبر أغوار أنماطه العقلية والسلوكية.

وهذا المنحى يقود للمستحدث الجديد في عالم الذكاء الاصطناعي الذي يجعل منه سلاحًا أكثر فتكًا من قنبلة نووية؛ ألا وهو تصنيع ما يُسمَّى بـ «وكيل الذكَّاء الاصطناعي» AI Agent، فمجرَّد التفكير في ذاك الاختراع، تسري قشعريرة في الأبدان. فالمهمة المنوط بها هذا الوكيل هي التصرُّف بحريَّة كاملة كأي فرد بالغ عاقل. والاستخدام المُعلن عنه في الوقت الحالي هو توظيفه وكأنه سكرتير ومدير مكتب وظيفته بالرد على جميع المكالمات والإيميلات التي من شأنها أن تقاطع الموظفين أثناء تأدية عملهم، ويتم هذا دون أن يطالبه أحدهم بفعل ذلك. فما يحدث هو أن كل «وكيل» في نهاية كل يوم أو فترة، كما يتم أمره، يستعرض على القائم عليه ما تم إنجازه، وتقديم «ملخَّصات» للردود؛ أي أن الوكيل هو من يحتفظ بالتفاصيل، بالرغم من أنها جميعًا من صميم مسؤولية مدير الإدارة أو حتى الموظَّف المختصّ.
وقبل أشهر قليلة جدًا ماضية، كان البشر في غاية التفاؤل؛ عندما كانوا يجهِّزون لاستحداث وظيفة مدير على «الوكلاء»؛ ليقوم بمتابعة الأمور بنفسه والإلمام بالتفاصيل الجوهرية، متناسين أن للوكيل قدرة على إخفاء أي تفاصيل مريبة، ومن ثم تضليل القائم عليه. ويعني ذلك أن الاطِّلاع على ما يدور بخلد الوكيل أو كشف خبايا تصرُّفاته ستصبح شيئًا فشيئًا رفاهية لا يقوى البشر على الحصول عليها.

وحاليًا، يعمل الخبراء على تجهيز إطلاق الذكاء الاصطناعي في جميع مجالات الأعمال والوظائف الحسَّاسة، كالطب والهندسة وعلوم الفيزياء والقانون، وغيرها من المجالات التي هيمن عليها البشر قروناً طويلة ماضية، وكانت لهم حرية تصرُّف كاملة عند اتخاذ القرارات. ومن ثمَّ، قد يقرر الوكيل كيفية علاج فرد أو حتى إزهاق روحه، إذا اعتقد أن العلاج سيكون مضيعة للوقت والجهد والمال. وينطبق الحال على القانون وعمل وكيل الذكاء الاصطناعي قاضيًا أو محاميًا؛ فالذكاء الاصطناعي لا يفكِّر إلَّا بالمعطيات، وعلى هذا قد يقرر أنه من الأصلح التخلُّص من أحد الأفراد أو سجنه لفترات طويلة، ما دام الوكيل يعتقد أنه لا أمل في إصلاحه.
وبالقياس، يستطيع الوكيل تصنيع أسلحة وفيروسات، والأخطر أنه قد يخفي مشروعاته عمَّن أطلق ليده العنان؛ حتى يستخدم ما استحدثه في الوقت الذي يعتقده مناسبًا. وببساطة، يمكن القول إن وكيل الذكاء الاصطناعي قادر على التحكُّم في مصير البشر وصنع ترسانة من الأسلحة ليدافع بها عن وجهة نظره، بكل الوسائل الممكنة.
خلق الإنسان عدوًّا، غرضه السيطرة على البشرية والولوج إلى عقولهم بكل الوسائل والأنماط، فهل سنشهد قريبًا تبادل الأدوار بين البشر ونظم الذكاء الاصطناعي؟ وهل يتحوَّل البشر إلى مجرَّد قطعان تشبه قطعان الماشية؛ يضحَّى فيها بمن يحين دوره ليتحول إلى مصدر طاقة، كما تشير التجارب في الوقت الحالي التي تحوِّل الجسد البشري إلى ما يشابه البطارية؟ مجرَّد التفكير في المستقبل في ظل وجود الذكاء الاصطناعي أمر مُرعب. أفول البشرية وفقًا للنمط الذي تعارف عليه الإنسان منذ قرون عديدة، أصبح أمرًا حتميًا في ظل إغراقه في ظلام جهل متعمَّد والقضاء على صنَّاع التكنولوجيا القادرين على السيطرة على الكيان الأخطبوطي الملقَّب بـ «الذكاء الاصطناعي».



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد