لبنان بين مطرقة الحزب وسندان إسرائيل
18-04-2026 01:52 AM
في الثالث عشر من أبريل، شهدت واشنطن مشهدا لم يكن عابرا في دلالاته، لقاء مباشر بين السفيرين اللبناني والإسرائيلي، هو الأول منذ عام 1993، برعاية أمريكية وحضور وزير الخارجية الأمريكي ووسطاء آخرين. وفي أحدث تطوّر، أعلن ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي، أن قيادتي لبنان وإسرائيل ستلتقيان في محادثات يوم 17 أبريل.
في الظاهر، بدا الأمر خطوة تمهيدية على طريق قد يفضي، في يوم ما، إلى مفاوضات سلام بين بلدين لم تغادر بينهما، رسميا، حالة الحرب منذ عام 1948. أما في الباطن، فقد كان المشهد أكثر تعقيدا، من مجرد اختبار دبلوماسي محدود؛ إذ كشف، منذ لحظته الأولى، مقدار التنازع على لبنان، بوصفه ملفا، لا وطنا، وساحة، لا دولة.
لكن ما خيّم على هذا المشهد من حذرٍ ممزوج بالأمل، سرعان ما اصطدم بعقبتين ثقيلتين: رفض حزب الله لهذه المحادثات من جهة، وإصرار إيران من جهة أخرى على أن يكون لبنان جزءا من أي اتفاق لوقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة. ومن هنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحا: هل تملك الدولة اللبنانية القدرة على سلوك مسار تفاوضي منفصل مع إسرائيل، من دون أن تُجهضه طهران وحزب الله؟ وهل تترك إسرائيل للحكومة اللبنانية هامشا فعليا للتحرك، أم أنها ستقوّض هذا المسعى إذا تمادت في توظيف فائض قوتها داخل الساحة اللبنانية؟
ليست هذه هي المرة الأولى التي تجد فيها الدولة اللبنانية نفسها عالقة بين نار الحرب وحسابات حزب الله، فمنذ سنوات، والحكومات اللبنانية المتعاقبة تخوض معركة شاقة من أجل بسط سلطتها على السلاح الخارج عن الدولة، وعلى القرارات التي يتخذها الحزب، سواء في مواجهته مع إسرائيل أو في استخدامه نفوذه داخل لبنان، في وجه خصومه ومعارضي راعيه الإيراني. إلا أن ما يميّز الحرب الراهنة عن سابقاتها، وآخرها جولة عام 2023، حين بادر حزب الله إلى إطلاق الصواريخ على إسرائيل في اليوم التالي لهجمات السابع من أكتوبر، هو أن الرعاة هذه المرة دخلوا المواجهة بأنفسهم: إيران والولايات المتحدة في اشتباك مباشر، ولكل منهما تصور مختلف لموقع لبنان ووظيفته في الإقليم. فإيران، التي نجحت في تثبيت بقائها، ولو بصورة مؤقتة، خلال الجولة الأخيرة من الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل، تبدو اليوم أكثر إصرارا على تحصين مجالها الحيوي الإقليمي. وهي ترى في حلفائها أدوات نفوذ وردع وعمق استراتيجي لا غنى عنها. ومن هذا المنطلق، تتمسك بأن يكون لبنان، وبالتالي حزب الله، رغم ما أصابه من إنهاك بالغ واغتيال معظم قياداته خلال العامين ونصف العام الماضيين حاضرا على طاولة أي «تسوية كبرى» قد تُبرم مع واشنطن.
في المقابل، تدفع الولايات المتحدة في اتجاه الفصل بين المسار اللبناني والمسار الإيراني، لاعتبارين أساسيين: أولهما أن هذا هو الخيار الذي تدفع إليه إسرائيل بقوة، وثانيهما أن إدارة ترامب تنظر إلى لبنان بوصفه مرشحا محتملا، في مرحلة لاحقة، للالتحاق بمنظومة «الاتفاقات الإبراهيمة»، وترى في أي سلام لبناني-إسرائيلي فرصة قد تُحدث ارتدادات إيجابية، من وجهة نظرها في الشرق الأوسط. أما إسرائيل، فترى في هذا الفصل ضرورة سياسية وأمنية ملحّة. ذلك أن الضغوط الداخلية الناتجة من هجمات حزب الله على شمالها، ما تزال قائمة. فبوسع بنيامين نتنياهو أن يعرض سلسلة طويلة من «الإنجازات» في المواجهة مع إيران: من إضعاف برنامجها النووي، إلى استهداف بنيتها العسكرية ومنشآتها الحيوية، إلى تقويض قدراتها الصاروخية، وتصفية طبقات متعددة من قياداتها السياسية والعسكرية، فضلا عن إنهاك أذرعها في أنحاء المنطقة. غير أن كل ذلك لا يحجب حقيقة أنه لم ينجح بعد في إعادة عشرات الآلاف من الإسرائيليين الذين هجّرتهم صواريخ حزب الله من بلداتهم في الشمال. وإذا كان تغيير النظام في إيران هو الحلم الاستراتيجي البعيد لنتنياهو، فإن حزب الله، ومعه لبنان، يمثلان المعضلة المباشرة التي تفرض نفسها عليه الآن.
لكن السؤال الأهم يبقى: أين تقف الدولة اللبنانية وسط هذا الاشتباك الإقليمي المفتوح؟
لقد حاولت الحكومات اللبنانية المتعاقبة، مرارا، تثبيت حق الدولة الحصري في امتلاك السلاح واستخدامه على أراضيها، غير أنها ووجهت في كل مرة بثلاثة عوائق كبرى: موازين القوى الداخلية المختلة، وتردد الدعم الأمريكي أو قصوره، والارتياب الإسرائيلي المزمن من حجم نفوذ حزب الله داخل لبنان. والحكومة اللبنانية الحالية لم تُخفِ موقفها الرافض لسلاح الحزب، بل عبّرت عنه بوضوح. وكان من الممكن لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله في عام 2024 أن يشكل فرصة نادرة للشروع في استعادة الدولة لاحتكار القوة، لكن الولايات المتحدة انساقت وراء تقديرات غير واقعية حيال إمكان إنجاز هذا المسار المعقّد في وقت وجيز، وكأن المسألة لا تعدو كونها إجراء أمنيا تقنيا، يمكن تنفيذه بقرار إداري. والحال أن فكّ الاشتباك بين الدولة والحزب لا يمكن أن يتم إلا بتدرّج محسوب، وحذر بالغ، وتحت مظلة سياسية داخلية وخارجية متينة، لأن أي استعجال أرعن قد يدفع البلاد إلى انفجار داخلي لا يقل هولا عن الحرب نفسها.. ثم جاءت إسرائيل لتزيد المشهد تعقيدا، إذ لم تساعد في تهيئة الظروف لهذا المسار، بل أسهمت في تقويضه عبر انتهاكات لا تُحصى لوقف إطلاق النار. وهكذا، وجد حزب الله مادة جاهزة لتجديد خطابه القديم عن «ضرورة السلاح»، بوصفه أداة «لحماية لبنان»، رغم أن الوقائع الميدانية نفسها أظهرت عجز هذا السلاح عن حماية شبر واحد من الأرض اللبنانية، حين قررت إسرائيل اجتياحها. لقد شهدت السنوات الماضية مساراتٍ تفاوضية ودبلوماسية عدة برعاية أمريكية، كما صدرت قراراتٌ دولية متلاحقة، من بينها القراران 1559 و1701، هدفها احتواء التصعيد على الجبهة الجنوبية. غير أن هذه المقاربات ظلّت، في جوهرها، رهينة إدارة الأزمة لا معالجة أسبابها. فهي لم تنجح في ملامسة أصل العطب البنيوي في لبنان: دولة عاجزة عن فرض سيادتها الكاملة على أراضيها وقرارها الأمني والعسكري، في ظل استمرار السلاح الخارج عن سلطتها، ومن جهة أخرى استمرار الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية المتكررة للسيادة اللبنانية، بما يجعل لبنان أسير أزمتين متلازمتين: عجزٍ داخلي عن احتكار القوة، وعدوانٍ خارجي دائم يقوّض أي محاولة لترسيخ سلطة الدولة واستقرارها.
غير أن وقف إطلاق النار، على جلالة ضرورته، ليس إلا مطلع الطريق لا منتهاه
ما يحتاج إليه لبنان، ليس مبادراتٍ متقطّعة ولا مواقفَ ظرفية، بل التزام متجدّد من حلفائه، وفي طليعتهم الولايات المتحدة، بمسارٍ ثلاثيٍّ متوازٍ وطويل الأمد.
أول هذه المسارات يتمثّل في تمكين الجيش اللبناني من امتلاك القدرة الفعلية على حماية الحدود، بما يُسقط الذريعة التي طالما استند إليها حزب الله لتبرير سلاحه ودوره. تواجه هذه الجهود عقباتٍ بنيوية وسياسية جمّة، في مقدّمها الفيتوهات الإسرائيلية على الدعم الأمريكي للجيش اللبناني. ومثل هذا المسار لن يتحقق بين ليلةٍ وضحاها، غير أنّ البديل عنه ليس إلا بقاء الوضع القائم على ما هو عليه. أما ثانيها، فهو وضع حدّ للاعتداءات الإسرائيلية على سيادة لبنان، إذ لا يمكن لاستقرارٍ حقيقي أن يقوم فيما الدولة تُستنزف تحت وطأة الانتهاك المستمر لحدودها وقرارها. إلا أنّ هذا المسار يظلّ بالغ الصعوبة في ظلّ العقيدة الإسرائيلية التي ترسّخت بعد السابع من أكتوبر، والقائمة على الضربات الاستباقية. كما أنّ بلوغ هذا الهدف يفترض ضغطا أمريكيا قويا على تل أبيب، وهو ما لا يمكن التعويل عليه في ضوء ما تتمتع به إسرائيل من نفوذ سياسي واسع في واشنطن.
وفي موازاة هذين المسارين، لا بدّ من إسناد جهدٍ دبلوماسي بين بيروت وتل أبيب يفضي إلى تفاهمٍ طويل الأجل، انطلاقا من إدراكٍ مفاده، أن مثل هذا التفاهم لن يُكتب له الثبات ما لم يندرج، في نهاية المطاف، ضمن مظلّة أوسع من التفاهم بين واشنطن وطهران، بوصفه جزءا من «الصفقة الكبرى» التي تسعى إليها الولايات المتحدة. قد تمثّل المفاوضات المرتقبة بين لبنان وإسرائيل، والتي أعلن عنها ترامب عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤشرا إيجابيا، غير أنّ المسار الذي قد تفتحه سيبقى طويلا وشائكا.
محللة سياسية مصرية – أمريكية
هلوسات وأشباح… الرواية بديلا عن العلاج النفسي
الذكاء الاصطناعي يُصدّر للبشرية ظلاماً دامساً
لبنان بين مطرقة الحزب وسندان إسرائيل
الإمبريالية: من حيث هي «مفهوم» ومن حيث هي «صنم»
لماذا تهدد إسرائيل تركيا بعد إيران
نانسي عجرم تعود بحفل مباشر في مدينة الأحلام بقبرص
البدارين وحداد: الروضان يطلب .. والخصاونة يعطي
يسار بلا بوصلة: كيف يبرر الحرب ويُجهض الثورة
الفاتيكان وواشنطن من اختلاف المعايير الى صدام النوايا
ارتفاع مؤشرات الأسهم الأميركية وانخفاض نفط تكساس
غوتيريش: إعادة فتح هرمز من جانب إيران خطوة في الاتجاه الصحيح
إيران تنفي موافقتها على نقل مخزونها من اليورانيوم المخصب
السعودية والولايات المتحدة تناقشان سبل إبقاء مضيق هرمز مفتوحا
الإدارة المحلية تحذر من أمطار رعدية وغبار في المناطق الشرقية والجنوبية
إربد: جناة يطعنون سائقاً ويضعونه في صندوق مركبته قبل أن يفروا
وزير المياه: المواطن لا يتحمل انقطاع المياه وعلينا استيعاب شكواه
الضمان الاجتماعي: تعديلات القانون رغم شدتها هي الحل
أصحاب هذه الأراضي ستعوضهم الحكومة بمبالغ مالية .. التفاصيل
جامعة العلوم والتكنولوجيا تحتفي بيوم العلم
صرف علاوات لعدد من موظفي التربية .. أسماء
المدعي العام يقرر توقيف السيدة التي أساءت ليوم العلم
حسّان: شراكة أردنية إماراتية لتنفيذ سكة حديد العقبة
بحث تعزيز التعاون العسكري بين الأردن وليبيا
واشنطن توافق على شرط إيراني مهم لأجل السلام
غموض يلف الحالة الصحية للفنانة حياة الفهد
اليرموك: أسماء المقبولين في برنامج سفراء الاستدامة
العلوم والتكنولوجيا تحتفي بيوم العلم

