هلوسات وأشباح… الرواية بديلا عن العلاج النفسي

هلوسات وأشباح… الرواية بديلا عن العلاج النفسي

18-04-2026 01:54 AM

يعيش البطل في عالمٍ موازٍ، يسمع أصواتا تتداخل في أذنيه من غير أن يلمح أحدا من حوله، ينظر في المرآة فيرى وجها لا يشبهه، يعيش في غموض وارتياب ويعاني من اضطرابات نفسية، يدخل في عراك مع نفسه ويثير الشكوك ومخاوف أناس من حوله، يخرج من خيبة عاطفية قبل أن يقفز إلى أخرى، يتكرر الوجه غير المألوف في المرآة، فيحتدم صراعه مع الماضي، يسمع كذلك صوتا داخليا، وهو صوت يترافق مع أصوات أخرى يسمعها من دون أن يعلم مصدرها، يتحول الحب في حياته إلى آلة هدم لا منفذا روحيا، ينفصل عن الواقع وينحدر إلى انفصام في الشخصية، يبادر إلى محاولات في فهم نفسه، لكن من دون جدوى، هكذا هو يونس بطل رواية «الرجل في المرآة» (دار بوملحة، 2026) للمصري آدم الغيطاني. وهي رواية تتحول فيها الهلوسة إلى أداة سردية، يحاول فيها المؤلف سبر العلاقات الخطرة أو السامة، وصدمة الماضي التي ترافق الشخصيات. تبدأ الرواية من غموض وتنتهي بصدمة نفسية، تصور شخصياتها في تمزق بين الندم والألم، يختلط في بالهم الواقع بالخيال، كما إن المؤلف يتخذ من هذه التعقيدات النفسية مرآة في تصوير الزيف الاجتماعي الذي نحيا فيه.
إنها باكورة روائية لصاحبها يرجو منها قراءة حال العلاج النفسي وما وصل إليه في الزمن الحالي. يحكي عن الجرح الذي يتعمق في روح كل إنسان، وكيف أن الجرح الداخلي أكثر فداحة من الجرح الخارجي. يتساءل فيها كذلك عن المسؤولية في الطب النفسي ويحاول مقاربة قضية أكبر مفادها، أن سر كل إنسان إنما يسكن في داخله، ولا حاجة إلى البحث عنه في الخارج.

البحث عن الحب والفرار منه

إن «الرجل في المرآة» ليست رواية تسير في خط واحد، فالأحداث لا تتوالى كي تفضي إلى خاتمة تقليدية، فما نقرأه في البداية سوف ينقلب إلى النقيض في النهاية، وما نظن أنها أحداث سوف تنقلب بدورها إلى أوهام، لأن مطلع الرواية يكسر في وقت لاحق أفق توقع القارئ. ومنذ الصفحات الأولى نقابل شخصية يونس، شاب مصري يدنو من الثلاثين من العمر، يتلقى رسالة في «سناب شات» من فتاة يحبها أو يظن بأنه يحبها؛ تدعى رحمة. تقول في رسالتها: «تفتكر الناس ممكن تتغير فجأة؟»، هذه الجملة وعلى قصرها فإنها عتبة سوف تترتب عليها تطورات، وتختصر حياة البطل في حد ذاته، الذي سوف يعيش التغير الأكبر. لم يكن يعلم أنه هو المقصود من التغير المنتظر، بل سارع في الرد على الرسالة من غير أن يحصل على جواب. ساد صمت من طرف رحمة وظل في انتظار، مثل من ينتظر غودو. هذا الانتظار سوف يطول مثلما يطول انتظار يونس قصد أن يعرف من أين جاء ولماذا وقع له ما وقع. سوف يعرف لماذا داوم على رؤية رجل في المرآة وعلى سماع أصوات في أذنيه. يقرر الذهاب إلى بيت رحمة كي تشرح له جملتها لكنها ترفض مقابلته. يشك فيها ويظن أنها استبدلته برجل آخر. يدخل في حالة من الحيرة والقلق، كما تتأجج في قلبه غيرة حارقة، ويظن أن شيئا ضاع منه وليس مجرد علاقة من أحبها. وبدل أن يتصالح مع رحمة يقطع الوصل بها ويشرع في البحث ذاته.

إن رحلة يونس في البحث عن نفسه سوف تنير ماضيه ويعلم منها من أين جاء، ولماذا انخرط في فصام الشخصية. يدرك أن الفتاة التي أحبها تسكن في الخط الفاصل بين الواقع والخيال، وبعدما كان يبحث عن ودها، وعن تأسيس علاقة حب متينة معها، ينتقل إلى النقيض في النفور من الحب. يدخل حالة تراوح بين النوم والصحو، يتكلم مع أشخاص لا يراهم أحد غيره. يساءل غرباء ولا يعلم من أين تأتي الأصوات التي تتحدث معه. يدرك أنه يعيش في حياة من الخداع والتلفيق مثل الزيف الذي يحيا فيه غيره ويؤمنون به، وعلى العكس منهم فقد أراد أن يكسر الحاجز الذي يعزله عن الواقع. وبعدما تنطلق الرواية بأكثر من صوت، ونظن أنها كُتبت استناد على بطلين، تتحول إلى رواية من صوت واحد، من مونولوغ مطول يخوض فيه يونس، الذي يلعب دور البطل المطلق في «الرجل في المرآة». وعقب الانفصال عن رحمة سوف تقوده الخطوات إلى عودة إلى المشفى النفسي الذي تعالج فيه في وقت مضى. وهناك سوف يكتشف ما خفي عنه. فمن خلال لعبة فلاش باك، يعيد المؤلف بطله إلى ماضيه.

بين حضور رحمة وغيابها يتواصل السرد، بين وصول رسائل إليه من مجهولين، وعدم رد رحمة عليه يواصل يونس النزول إلى عالمه السفلي. وفي مصحة الأمراض النفسية التي عاد إليها محاولا ترتيب الماضي، بعد لقاء مع شخصية أخرى تدعى: سما. يصاحبها من أجل بلوغ الحقيقة، عندما يتذكر والده وقسوته، يتذكر أمه وصمتها. يتذكر عندما زادت خشونة الوالد مع أمه وعندما تدخل في إنقاذها يحمل سكينا في يده، يتذكر وجه والده وهو يتهاوى، ثم وجه أمه التي لم تعطف عليه لأنه أنقذها، بل تحمله وزر موت الوالد. تلك اللحظة التي عاشها وهو طفل كانت سببا في الفصام الذي يعاني منه، ما يجعل منه نزيل مشفى أمراض نفسية، ثم يتحول إلى ما يشبه فأر تجارب بين أيدي الأطباء، الذي يجربون عليه وصفات واختبارات توصله إلى حافة الجنون. وعندما يبلغ الخيط الذي سعى إليه ويعرف حقيقة ما وقع، يشفى من صورة الرجل الذي يراه في المرآة، وتنصرف الأصوات التي داوم على سماعها في أذنيه، ويبادر في الختام إلى سؤال عن أخلاقية العمل في الطب النفسي. كما إن المؤلف يترك الباب مواربا: هل شفاء يونس جاء جراء بحث عن الأسباب أم جراء مقاسمة حكايته مع القراء؟ هل شفي عندما بلغ الحقيقة أم عندما جعل من الرواية بديلا عن العلاج النفسي؟

كاتب جزائري



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد