من غزة إلى بيروت: حرب الإبادة مستمرة

من غزة إلى بيروت: حرب الإبادة مستمرة

17-04-2026 12:04 AM

كنا نتمنى أن القيادة الرسمية اللبنانية تعلمت شيئا من القيادة الرسمية الفلسطينية، فبعد كل التخاذل الذي أظهرته القيادة الفلسطينية أمام المجازر التي شهدها قطاع غزة لمدة سنتين كاملتين، تم تشكيل مجلس السلام ولجنة التكنوقراط من أهالي غزة، وعيّن نيكولاي ملادينوف، الذي أصفه بأنه عدو الشعب الفلسطيني، منسقا بين الطرفين، وخرجت القيادة الرسمية خارج المعادلة تماما، ووضع عليها شرط غريب وعجيب وهو ضرورة الإصلاح ولا أحد يعرف ما معنى الإصلاح، لأن «العطّار لا يستطيع إصلاح ما أفسده الدهر».
تكرر الغلطة قيادة عون – سلام اللبنانية، فتذهب للمفاوضات المباشرة مع الكيان الصهيوني رغم ضحايا العدوان على اللبنانيين، ودمار ثلث البلاد واحتلال جنوبها ومجازر الثامن من أبريل بعد إعلان وقف إطلاق النار، الذي أدى إلى مقتل أكثر من 300 إنسان وجرح نحو 2000، وكأن الكيان فوجئ بقبول الطرفين، الأمريكي والإيراني، وقف إطلاق النار وصب كامل قهره وحنقه، حمما وقنابل على كل اللبنانيين، حيث أرسل 50 مقاتلة شنت 100 غارة خلال عشر دقائق، دمرت ضواحي في بيروت والجنوب والبقاع. وألحق بتلك الكارثة مجزرة أخرى في النبطية يوم 10 أبريل، التي قتل فيها موظفو أمن تابعون للدولة. فبدل التوجه للمحاكم الدولية ومجلس الأمن، اختار الثنائي الحاكم التوجة لمفاوضات مباشرة ـ وكأن العدو الصهيوني سيقدم لهما السيادة والاستقلال والحرية والانسحاب من الجنوب، على طبق من فضة. إسرائيل لها مطلب واضح لا خلاف عليه إنهاء وجود المقاومة تماما. ممنوع إطلاق رصاصة واحدة باتجاه العدو. فمن سيحقق لها هذا المطلب سلاح الجو، أم الحرب الأهلية؟
لنراجع وقف إطلاق النار في لبنان بتاريخ 26 نوفمبر 2024 وحتى 2 مارس 2026. هل توقفت إسرائيل يوما واحدا عن قصف لبنان؟ هل التزمت بوقف إطلاق النار واحترام القرار 1701. الحقيقة أن حزب الله تجرع الألم ووافق على وقف إطلاق النار آنذاك، والتزم الهدوء. فبدل أن تقف الدولة ومكوناتها الحزبية والطائفية والسياسية صفا واحدا ضد الاخترافات اليومية والمجازر المتكررة آثرت السلطات الرسمية أن تصمت، وأن تكرر مقولة ضرورة تجريد المليشيات من سلاحها، وحصر السلاح في يد الدولة.
كل هذا الدمار والتهجير وسقوط آلاف الضحايا وتدمير البنى التحتية وقصف الجسور والعيادات والمدارس والمناطق السكنية في ضواحي بيروت، يعفى العدو منه ويوضع اللوم على حزب الله. وساذج من يعتقد أن إسرائيل ستترك لبنان في حاله، لو لم يتدخل الحزب في الثاني من مارس لدعم إيران. ستجد إسرائيل ألف سبب وسبب لتعتدي على لبنان، كما كانت تفعل يوميا منذ وقف إطلاق النار، وكما تعتدي على سوريا من دون سبب.

الممثل السامي لمجلس السلام، يربط كل شيء – الإغاثة الإنسانية، وإعادة الإعمار، وحتى الانسحاب الإسرائيلي ـ بنزع سلاح الفصائل الفلسطينية مُسبقا

إن مجرد عقد مثل هذا الاجتماع – في ظلّ ضغط عسكري على لبنان، ومن دون توافق، ومن دون التزامات متبادلة – يُعدّ بمثابة تنازل كبير وغير مبرر، ولا يحظى بتأييد شعبي واسع في لبنان وقد يعمق الهوة بين أطياف الشعب اللبناني. فهو يكسر حاجز المقاطعة والمواقف التاريخية اللبنانية التي أفشلت اتفاق 17 مايو 1983 وسيضع لبنان في موقع ضعف أمام الخصم المفاوض، دون أن تكون لديه أوراق ضغط يضعها على طاولة المفاوضات. كنت أتمنى أن يرافع السيد نواف سلام في محكمة العدل الدولية حول حرب الإبادة على بلده التي تشنها إسرائيل، وأن يقدم ملفات جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها إسرائيل في لبنان منذ 8 أكتوبر 2023 وحتى اليوم للمحكمة الجنائية الدولية. تمنيت لو أنه طلب عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي بعد مجزرة 8 أبريل وحضر شخصيا لإلقاء كلمة لبنان. لكنه اختار أن يعلن أن سلاح المقاومة غير شرعي، وبودي أن أعرف ما معنى الشرعية وإسرائيل تقطع جسد لبنان قطعة قطعة.
الحكاية تتكرر في غزة والضفة الغربية. فمنذ إعلان وقف إطلاق النار يوم 13 أكتوبر 2025 والوضع في غزة يمكن وصفه، كما قال المتحدث باسم الأمين العام، «أقل إطلاق نار وليس وقفا لإطلاق النار». وهذه هي الحقيقة، ما دام الفلسطيني هو الذي يقتل فوقف إطلاق النار متواصل. أما إذا جرح جندي إسرائيلي واحد فبيانات الإدانة لخرق وقف إطلاق النار تنهال من جميع الأطراف. قرار وقف إطلاق النار ينص على فتح المعابر جميعها، إسرائيل لم تكترث لهذا البند، وينص على إدخال المساعدات الإنسانية بكميات عالية تصل إلى معدلات ما قبل الحرب ولم تلتزم إسرائيل بهذا ولم تسمح بدخول الخيم ولا معدات البناء أو تنظيف الركام أو المعدات الطبية الضرورية. فمنذ وقف إطلاق النار استشهد أكثر من 700 فلسطيني من بينهم أطفال ونساء وصحافيون ومسعفون وموظفو إغاثة إنسانية آخرهم المتعاقد مجدي أصلان مع منظمة الصحة العالمية الذي استهدف الإثنين 6 أبريل بعد يوم من تعيينه، فقامت المنظمة بتعليق عملها في القطاع، وهو المطلوب إسرائيليا.
الخط الأصفر الذي رسمته إسرائيل لحدودها مع بقية غزة تمدد ليصل إلى نسبة 51 في المئة حيث تم حشر المليوني فلسطيني في أقل من نصف مساحة غزة، ليصبح سجنا آدميا حقيقة لا مجازا، ومع هذا فالأمور عادية بالنسبة لمجلس السلام والسيد ملادينوف.
أما حرب الإبادة في الضفة الغربية، بما فيها القدس المحتلة، فالحديث يطول حول عمليات القتل والمداهمات وعنف المستوطنين واقتحامات الأقصى وإغلاقه وتهجير المخيمات. كل ذلك لا يستوجب الاهتمام ما دام الإسرائيليون لا يصابون بأذى.
اجتماع القاهرة- الضغط فقط على حماس
عقد اجتماع مؤخرا في القاهره حول مفاوضات الدخول في المرحلة الثانية المخصصة لإعادة الإعمار. شارك في الاجتماع وفد من حركة حماس بالإضافة إلى ممثلين عن «مجلس السلام» والمنسق التنفيذي للمجلس نيكولاي ملادينوف، ومع أن الكلام المعسول حول فرصة السلام وضرورة التمسك بها إلا أن الحقيقة كانت تشير إلى أن ممثلي مجلس السلام يتبنون بالكامل الموقف الإسرائيلي الذي يصر على ضرورة نزع السلاح أولا وقبل كل شيء.
لقد تمحور الحوار في القاهرة حول مقترح مرتبط بالممثل السامي للمجلس نيكولاي ملادينوف، الذي يربط كل شيء – الإغاثة الإنسانية، وإعادة الإعمار، وحتى الانسحاب الإسرائيلي – أولا بنزع سلاح الفصائل الفلسطينية مُسبقا. هذه ليست مسألة ترتيب تقني، بل مطلب سياسي يُقدَّم كشرط أساسي للتقدم. مطلوب من حماس وغيرها من الفصائل التخلي أولا عن السلاح قبل أن يُطلب من إسرائيل تقديم أي شيء ملموس. أي التخلي عن الورقة الوحيدة التي تملكها الفصائل، بينما لا يطلب من إسرائيل تنفيذ البنود المنصوص عليها في المرحلة الأولى ومنها، وقف إطلاق النار وفتح المعابر وإدخال المساعدات والانسحاب من خط التماس. إسرائيل تمارس الجرائم كل يوم بما في ذلك قتل الشرطة الفلسطينية بانتظار تجريد الفصائل من سلاحها. وعندما يحدث ذلك فما الذي سيجبر إسرائيل على الالتزام بشروط وقف إطلاق النار. والغريب أن حكومة رام الله مقتنعة بهذا التراتب مثلها مثل حكومة لبنان.
كان اللبنانيون الرسميون يقولون إن قوة لبنان في ضعفه، فنسخ القادة الفلسطينيون الشعار وتبنوه. نتمنى أن يراجع الطرفان الخريطة التي عرضها نتنياهو مؤخرا على أنها أرض إسرائيل. ونسأل المعنيين الآن إذا انتهت المقاومة اللبنانية والفلسطينية ولحقت بها المقاومة اليمنية والعراقية ثم تم تدمير قوة إيران، كيف سيكون شكل خريطة إسرائيل الجديدة؟

كاتب من فلسطين



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد