الأُحيْمر السعدي ، ومذهبُهُ في السَّرقةِ !

الأُحيْمر السعدي ، ومذهبُهُ في السَّرقةِ !

20-10-2014 04:45 PM

 قرأتُ خاطرةً لاحدى الأخوات عبر موقع التواصل الاجتماعي حولَ الوحدة ، والابتعاد عن الناس لِكثرة شرورهم ... 

فقمتُ بوضع تعليقٍ يناسب الخاطرةَ ، وهو بيتُ شعرٍ لشاعرٍ يُعَدُّ من لصوص العرب وَشُطَّارهم ، وهو الأُحَيْمر السَّعدي التميمي ، وكان له مَذْهبٌ غريب في ممارسة السرقة ، كان يستحي أن يسألَ الناسَ ، وهو يستطيعُ النَّهْبَ ، والسرقة !
ومسألة اللصوصية ألَّف فيها بعضُ الكُتَّاب مثل الجاحظ  ، أَلَّف كتاب ( حِيَلُ اللصوص ) !
وقد جاءت الأمثال في بعضهم مثل :
( أسرقُ من شِظِاظ ) ، وهو رجلٌ من بني ضَبَّةَ ، كانَ يُصيبُ الطَّريقَ ، ومرَّةً مرَّ بعجوزٍ نُميريَّة تعقِلُ بعيراً لها ، وتتعوَّذُ من شِظِاظٍ ، فسمعها ، وتحايل عليها حتى أخذ البعيرَ ، وهرب إلا أنه شَفِقَ عليها وتركَ لها بعضَ الجمال الصغيرة عِوَضاً عن بعيرها الذي شرد به ، وقال :
رُبَّ عَجوزٍ من نُمَيْرٍ شَهْبَرَهْ
..... عَلَّمْتُها الانقاضَ بعد القَرْقَرَهْ .
والانقاض : صوتُ صغار الإبل ، والقَرْقَرة : صوتُ مَسَآنِّها .
أي أنَّه عوَّضَها صوتَ البعير الصغير من صوت البعير الكبير ! 
وممن ذُكِرَ في الأمثال : ( بُرْجَان ) ، فقالوا : 
( أَسْرَقُ من بُرْجَان ) ، وهو لِصٌّ من أهلِ الكُوْفَةِ من موالي بني امرئ القيس ، صلبه مالكُ بن المنذر ، فسرقَ وهو مصلوب !!
وعوداً على اللصِّ الأُحَيْمر السَّعْدي ، ومذهبه الغريب في السرقة ، الذي عرفناه من خلال أبياته التي كشف فيها عن نظرته للسرقة ، وأنها خيرٌ من سؤال الناس ، وفي أبياته الشعريَّة يتبينُ لنا أنَّه لِصٌّ من الطِّراز الأوَّل حيث له صولاتٌ في عدَّة أماكن متباعدة مثل العراق ، والشام ، ونجد ، وكرمان ، والجوف ...
وله رِفْقَةٌ من اللصوص يمدحهم مدحاً عظيما ، يصفهم بالفتوة ، وأنَّ وجوهَهم البدرُ !
قال الأُحَيْمر السَّعْدي :
عَوى الذئبُ ؛ فاستَأْنَسْتُ بالذئبِ إذْ عَوى 
..... وَصَوَّتَ إنْسِيٌّ ؛ فَكِدْتُ أَطيرُ 
يَرى اللهُ إنِّي لِلْأُنَيْسِ لَكَارِهٌ 
..... وَتُبْغِضُهُمْ لِيْ مُقْلَةٌ وضميرُ 
فَلليلِ ، إنْ واراني الليلُ حُكْمُهُ
..... ولِلشَّمسِ ، إنْ غابتْ عليَّ نُذُوْرُ 
وإنِّي لَأَسْتَحْيي مِنَ اللهِ أَنْ أُرَى 
..... أُجَرِّرُ حَبْلاً ليس فيه بَعيرُ
وأنْ أَسألَ المرءَ اللئيمَ بَعيرَهُ 
..... وبُعْرانُ رَبِّيْ في البلادِ كَثيرُ .
فالأحيمرُ يستأنسُ بصوت الذئاب ، وهو يقصد أنه يحبُّ الفيافي والقِفار التي هي مواطنُ الذئاب والوحوش ، ولا يكادُ يقتربُ من مواطن الإنس ؛ لأنَّه مُبْغِضٌ لهم كارهٌ لِحِسِّهم ورِكْزِهِمْ ، وقد كَرَّر الأُحيمرُ لفظة الذئب والعواء في صدر البيت الأوَّل مَرَّتين مرَّتين ؛ وذلك لِشِدَّةِ انقباضه عن الناس كما يفعلُ الذئبُ ، فهو أعرقُ السِّباع تَوَحُّشا ونفوراً من بني آدم ، وهو سلالةُ الغدر والخَتْل والخيانة ، فهو عاشقُ الدَّم والفتك بأقرب الأشياء له ، فإنْ رأى دَماً بصاحبتِه هجم عليها ، قال الشاعرُ في ذلك :
فكنتَ كذئب السوء ...
واسمُ الذئب جاء من كلمة ( تذاؤب الريح ) وهي أن تأتي الريح مرة من يمينك ومرة عن يسارك ومرَّةً من خلفك ... وهذا فعلُ الذئب بفريسته ، وكذلك فِعْلُ الشُّطَّار ومنهم هذا الأُحيمر السعدي .
والذئبُ مَعْدنُ الغدر وجوهرِهِ ؛ فلذلك ضُرِب المثل في الغدر به ، فقيل :  أغدرُ من ذئب  ، ومن الموافقات العجيبة والغريبة ، أن البطن الذي منه الأُحيمر السعدي ، ضُرِبَ الغدرُ بهم فقيل :  أغْدرُ من كُنَاةِ الغدر  وهم بنو سعد ، فقد كانوا يُسَمُّون الغدرَ : ( كيسان ) ! قال النّمرُ بنُ تولب :
إذا كنتَ في سعدٍ ، وأُمُّكَ منهمُ 
..... غريباً ، فلا يَغْرُرْكَ خالُكَ من سعدِ
إذا ما دَعَوْا كيسانَ ، كانتْ كُهُوْلُهُم
..... إلى الغَدْرِ أَدْنى من شبابِهم المُرْدِ !
فهناك توافقٌ بين الأُحيمر وبين الذئب وطباعه ، فلا استغراب إذا إن استأنس به ، وبعوائه .
فهو اذا سمع صوت الإنسان ؛ انخلع قلبُهُ من جوفه وَحَاشَةً منه ، ونفورا .
ثم يذكرُ الأُحَيْمرُ الإنسان بصيغة التصغير احتقارا له ، فيقول : ( الأُنيس ) ، وَكُلُّ حواسِّه تنفرُ وتبعضُ هذا الأُنيس ، العينُ والضميرُ !
وهذا البغضُ والكُرْهُ لبني الإنس ؛ يدفعُ الأُحَيْمِرَ السعدي أن يَدَّرِعَ الليلَ ، ويراقبُ غيابَ الشمسِ حتى يمارس النَّهبَ والسَّلْبَ ، فهو ذئبٌ ليليٌّ يباغِتُ بني آدمَ تحقيقاً لما يُضْمِرُه لهم من إحَنٍ ، وكتائفَ .
ثم يقرِّرُ هذا الأُحيمرُ مَذْهَبَهُ في السَّرقة ، ويكشفُ اللثامَ عنه ، فهو مُسْتَحٍ من اللهِ ، أن يكون على حالةٍ من خُلُوِّ حَبْلِه من البعير ، وسؤال اللئيم بعيراً ، وهذه الأباعرُ منتشرةً في البلاد ، فالنَّهبُ والسرقةُ خيرٌ من سؤال اللئيم من الناس !
نعم نحن نؤيد الأُحيمرَ في عدم سؤال الناس قاطبةً ،ويتوكَّدُ المنعُ في حقِّ اللئيم ، لأنَّ سؤالَ الناس مَذَلَّةً ، وقد نهى عنه الإسلام إلا في حالاتٍ ضيِّقَةٍ معروفة في دواوين السنة المطهرة .
بل اعتبر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عِزَّ المؤمن استغناءَه عن الناس  كما جاء في الحديث الصحيح .
ولكن نخالف الأُحيمرَ فيما قرَّرَه من الإغارة على الأباعر التي هي مُلْكُ الآخرين ، التي جعلها الأحيمر : ( بعران ربِّي في البلاد كثيرُ ) ! 
وهذا يُذَكِّرُني بفعل الخوارج العصريين الذين يرون – دينا – سرقة الأموال العامة بل والخاصة لأنهم يرون هؤلاء كُفَّاراً !


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

مونديال 2026 .. استقالة رونالد كومان من تدريب منتخب هولندا

ترامب يبلغ عن دخل تجاوز 1.4 مليار دولار من العملات المشفرة

تصريحات مثيرة للجدل عن أم كلثوم تورّط صحفيًا مصريًا

هيئة البث: إسرائيل تقرر تأخير الانسحاب التجريبي من جنوب لبنان

هل تفجر الأموال المجمدة اتفاق التفاهم الإيراني الأمريكي؟

رئيس وزراء قطر خلال اجتماع مع ويتكوف وكوشنر: جهود الوساطة بين طهران وواشنطن مستمرة

إسرائيل .. آيزنكوت رئيس حزب "يشار" يعلن عزمه الترشح لرئاسة الحكومة

غوتيريش: وكالة الأونروا تقترب من نقطة الانهيار

حريق مسجد المدينة في العاصمة الأيرلندية دبلن

زلزال بقوة 6 درجات يضرب جنوب شرقي المكسيك

ريال مدريد يفتتح مشواره مع مورينيو بمواجهة سوسييداد

الحصيني: موجات الحر قصيرة ولا تتجاوز 5 أيام

أطباء السودان: احتجاز 20 طبيبا في الفاشر ومصيرهم مجهول

النقل البري تبحث مع مشغلي خط إربد – الزرقاء إطلاق مشروع النقل المنتظم

النفط يتجه إلى أكبر خسائر ربع سنوية منذ 2020

تراجع سوق الدواجن في الأردن يفتح ملف نظام الطيبات والمخاوف الصحية

لفتة للنشامى نالت إعجاب الجماهير العربية والجزائرية .. صورة

الأردن يقترب من إنتاج 500 طن سنوياً من الكعكة الصفراء

الصحافة الأجنبية تعلق على مباراة الأردن والأرجنتين .. ماذا قالت عن أبو ليلى وهدف ميسي

توقعات الذكاء الاصطناعي لبطل مونديال 2026 .. المرشح الصادم

ماذا حدث لمتّبعي نظام الطيبات؟ أطباء يحسمون الجدل والأرقام تكشف المفاجأة

متورط مع موظفة .. فيديو خادش منسوب لمسؤول معروف يهز العراق

هبوط بأسعار الذهب محلياً اليوم

أسعار الذهب ترتفع محلياً السبت

نهر إسمنتي غامض في غزة .. ما حقيقة استخدامه في ترميم المنازل

توضيح ملابسات حادثة الموظفة التي حاولت اقتحام مكتب وزير السياحة

القبض على مغني مهرجانات مصري شهير بتهمة خطيرة .. صورة

سيادة لبنان حاجة سورية إقليمية

أفضل سيارة كهربائية في الأردن 2026 .. مفاجأة صينية تتفوق على المنافسين بالسعر والمواصفات

إيران تودّع المونديال .. ومصر تحقق تأهلاً تاريخياً للدور الثاني