الا لعنة الله على البطانة!

mainThumb

09-12-2018 11:42 AM

ما هذه البطانة التي تثير لدينا كل هذا اللغط؟ بل من عظّم شأنها في حياتنا، حتى تُوقعنا بكل هذه المواقف المحرجة، ولمَ منذ دهور ونحن ندعو الله أن يرزقنا بالصالح منها ولكن لم نستطع اليها سبيلا؟
 
انشغلت وسائط التواصل والإعلام خلال الأيام القليلة الماضية بقصة البطانة، فكم كان الظلم قبيحا بحق تلك الفنانة؟!، التي طالما عُرفت بين الناس بالحشمة والوقار، عندما تعرضت لحملة شعواء، لمجرد أن بطانة الفستان طارت فجأة، وذهبت مع الريح، بل أنها تعرضت للخداع، عندما كانت تفرح بالمجاملات بحق الفستان، لكنّ المسكينة أصيبت بالذهول، عندما عرفت أن الفستان تخلى عن بطانته، ولم يُعثر لها على أثر، وفي مقابلة مع المذيع الأغبى -عفوا- الأغلى عربيا أبدى تعاطفا مع الفنانة، فبدا مذهولا من المظلومية التي حاقت بها، أمّا هي فكانت على ما يبدو تسخر من كم السذاجة، حيث حققت ما تصبو اليه بأن تلوكها ألسنة الناس، ونحن بدورنا لعنّا "أبو" البطانة التي تسببت بكل هذا الحرج.
 
لكن لحظة! ما المقصود بهذه البطانة -بكسر الباء أو فتحها-؟! هي بطانة الثوب التي تحمي الجسم من خشونته أو شفافيته، وربما من ناحية أخرى، تعني خاصة الرجل أو ولي الأمر الذين يدخلون عليه بالنعومة، فيستميلهم ويستميلونه، وربما سميت بالوليجة؛ أي الذين يلجون في حياة الناس الخاصة، خاصة ذوي الشأن منهم ويشكلون أهل الأنس والثقة.
 
المهم أن بطانة الفستان عادت لتثير اهتمامنا من جديد بنوع أخر من البطانة، وطالما سمعنا خطبائنا يذكرونها في صلاتهم؛ يدعون لولي الأمر بالبطانة الصالحة، ويدفعون عنه الفاسدة، أمّا في مجالسنا فكثيرا ما وصفنا البطانة بأم الشرور، وحملنّاها تبعات كل سلطان مغرور.
 
في بلادنا ومنذ قرون، ينهض خطباء الجمعة في الخطبة الثانية، يدعون لولي الأمر بأن يرزقه البطانة الصالحة التي تعينه على الخير والصلاح، وتبعد عنه البطانة الفاسدة التي توقعه في الضلال وشر الأعمال.
 
نعم، فالحق على البطانة-ولا مجال لتبرئتها- فهي سبب كل تأخر أو فساد، وما أشبه بطانة ببطانة، فمثلما أن بطانة الفستان تخلت عنه وعن صاحبته وتركتها عرضة للعواصف الهوجاء، فإن مثيلتها كثيرا ما أوقعت صاحبها أو تخلت عنه في أحلك الظروف، حيث أن دفء بطانة الثوب ونعومتها، كما تدليس البطانة من الخاصة تتشابه في أن تترك صاحبها لا يدرك ما يدور حوله، بل يستطيب الركون إلى الراحة والدعة التي تغنيه عن تتبع ما يجب عليه من حمل الأمانة.
 
بكل حال استمرأنا لوم البطانة، ولم نلم مسيء اختيارها، فالزعيم الملهم والقائد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه هو من يختار، لكنه لا يتحمل تبعات اختياره!، فالبطانة التي تحظى بكل ما يؤهلها للفساد، ويحميها من تبعاته، لا تخلي صاحب الشأن من مسؤوليته، بل إنه يتحمل في هذه الحالة وزرين؛ تقريب البطانة الفاسدة التي صورت له الأمور عكس الواقع -حيث أن الفاسد لا يختار إلّا فاسدا-، والأخر أنه لم يسع بنفسه لمعرفة أحوال رعيته، بل وأبعد الصالحين منها. 
 
 لقد حذر الله في محكم التنزيل من اتخاذ البطانة الفاسدة، التي لا تترك فرصة لترويج الفساد، وتسيء إلى المجتمع والأمة، وتفسد العلاقة بين ولي الأمر ورعيته، فيقول سبحانه وتعالى "يا أيها الذين أمنوا لا تتخذوا بِطَانة من دونكم لا يألونكم خبالا" فهم لا يتورعون عن ترويج الباطل، وتغييب الحق، وربما نعي اليوم بأن حالنا يأتي من بطانة فاسدة التفت على الحاكم، ولم تبين له أحوال الناس على صحيحها، لكننّا بقينا نصب جام غضبنا على البطانة، لا على من أتى بها، وهكذا فإننا نلوم البطانة الهاربة من الفستان، كما البطانة الفاسدة التي اختارها سيد العصر والزمان.
 


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد