خطة التحفيز الاقتصادي لما بعد كورونا

mainThumb

03-05-2020 04:36 AM

بات واضحا حجم الأثر السلبي على جميع مظاهر الحياة في دول العالم لوباء كورونا، و لعل أحد أقسى جوانب ذلك -بعد الخسارة البشرية من وفيات و مرضى بطبيعة الحال- هو الركود الاقتصادي الواسع الذي تمظهر على هيئة توقف دورة الإنتاج و تعطيل المرافق العامة و منع السفر والتنقل و إغلاق المتاجر، مما تسبب في تراجع الطلب و إفلاس المؤسسات و فقدان الوظائف نظرا لتوقف المبيعات و الإيرادات و التدفقات النقدية لأكثر من مدة الشهر، الأمر الذي جعل قطاعا واسعا من الشركات و المشاريع عاجزا عن دفع الالتزامات و الأجور المترتبة في الثلث الأول من هذا العام.

تجلى الأثر الاقتصادي المدمر للحظر في مؤشرات الأسواق المالية حيث هوت أسعار غالب أسهم الشركات بشكل كبير لتصل الخسارات لبضعة تريليونات الدولارات الأمر الذي أدى لوقف التداول في تلك الأسواق، و تجلى كذلك الأثر في تراجع أسعار النفط الخام كنتيجة لتراجع الطلب العالمي و استقرار الإنتاج مع خلافات روسية-سعودية بشأن ذلك، حتى وصلت أسعار الخام أرقاما قياسية لما دون 20$ لخام برنت، و -37$ لخام غرب تكساس الخفيف للعقود الآجلة.

سيناريو المشكلة الاقتصادية:

بات من المؤكد بأن العالم -بعد انحسار الوباء- سيعاني من الركود لفترة قد تصل و تتجاوز عام 2021 في التقدير المرجح، وهذا سيتزامن مع ارتفاع نسب البطالة، و إفلاسات و إغلاق لأعداد مهولة من الشركات الصغيرة و متوسطة الحجم، و عجوزات في الموازنات العامة للحكومات في حدود 30% كنسبة زيادة، واختلال الميزان التجاري لصالح كفة التعاملات مع الصين، و تراجع النمو في مؤشر الدخل القومي بنسبة قد لا تقل عن 20% والأرجح تحقيق نمو صفري أو سالب هذا العام، وتنامي مديونية الدول الفقيرة بسبب تغطية تكلفة الجائحة و الاستدانة لسد عجز الموازنة العامة.

سيناريو الحل المالي والنقدي:

المشاكل المستجدة تتطلب حلا مبتكرا، ولا بد من الخروج من الوصفات الجاهزة و التقليدية في حل أزمة الركود العالمي هذه. سيناريو الحل يكون في عدة محاول أساسية كالآتي:

خفض الضرائب:

من شأن خفض النسب الضريبية المختلفة تقليل العبء الضريبي على المكلفين، الذين أصلا تراجعت الاستحقاقات الضريبية عليهم بحكم تراجع المبيعات و الدخل و فرق القيمة المضافة، لكن خفض الأعباء الضريبية سيقلل من قيام المكلف التجاري والصناعي بترحيل ذلك العبء على المستهلك النهائي، الأمر الذي سيتمثل بسعر أقل، أي قدرة شرائية أكبر بسبب توسع الدخل القابل للصرف، أي تعزيز الطلب، وبالتالي تحريك عجلة الإنتاج و الاتجار و الاستهلاك، الأمر الذي يقود لرفع النشاط الاقتصادي عموما في المدى المتوسط.

قد يلاقي هذا الطرح انتقادا رسميا كونه سيزيد من عجز الحكومات عن تلبية التزاماتها قصيرة الأجل، وهذا صحيح، لكنه في ظل تكامل معطيات سيناريو الحل فإن الأثر سيكون طفيفا، و سوف تتعزز الإيرادات الضريبية على المدى المتوسط بشكل ملحوظ كنتيجة لارتفاع المبيعات والأرباح وبالتالي التحصيلات الضريبية.

خفض سعر الفائدة:

كأحد أدوات السياسة النقدية (Monetary Policy) فإن قرار خفض سعر الفائدة لما يقارب 0% -كما فعلت الولايات المتحدة في الشهر الماضي- من شأنه تخفيف عبء الاقتراض (كلفة الدين) وخدمة الدين، الأمر الذي سيقود للتوسع و تسهيل الائتمان، وهذا ضخ لرؤوس أموال سوف تستثمر في مشاريع إنتاجية و نفقات استهلاكية والتي من المؤكد أنها ستعزز السيولة في السوق و تحفز الطلب و الاستهلاك بشكل ملحوظ و مباشر، أي تحريك عجلة الاقتصاد والنمو.

قد يبدو هذا غير مشجع للمودعين الذين يأملون بعائد مجز على ودائعهم، ولكنه يترك لهم المجال للاختيار ما بين الاستثمار والتمويل المباشر (كالأسهم و السندات) في السوق أو الإيداع بأقل مخاطرة و عائد في المصارف.

خفض الاحتياطي والتحوط:

قرار خفض نسب الاحتياطي الاختياري، و الإجباري، و التحوط، من شأنه توسيع السلة الائتمانية والقدرة على الإقراض، وقد يشكل هذا تعويضا للمصارف عن خفض سعر الفائدة، فأحيانا تصل جملة ما يتم تجميده من أصول نقدية إلى 25% من أموال المصارف كجزء من ترتيبات اتفاقيات التحوط (Basel & Hedging) و خفض المخاطر.

لكنه لو تم الإفراج عن جزء من تلك الأموال المجمدة في الاحتياطيات و التحوط فإن سيولة هائلة ستتدفق للأسواق و هذا من شأنه التوسع في الإقراض و تحفيز المؤشرات الاقتصادية كافة، برغم التخوف المبرر من تأثير ذلك على المخاطر الائتمانية و نسبة التضخم.

تأسيس مصرف حكومي:

لقد بات واضحا بأن فكرة آليات التصحيح التلقائي للنظام الرأسمالي قد أثبتت عجزها منذ أزمة 2008 للرهن العقاري، و في 2020 حيث جائحة كورونا العالمية. وبات من المؤكد بأن الدور الحكومي كيد عليا في النشاط الاقتصادي صار أمرا واقعا و مقبولا.

المطلوب هو أن تؤسس الحكومات مصارفا تعزز توجهات التنمية و التحفيز خاصة للقطاعات التي لا تتمكن من الوصول لقنوات الائتمان المصرفية بحكم تعقيدات ذلك و بسبب خصوصية متطلبات إدارة المخاطر والائتمان المتحفظة للمصارف التجارية.

إن قطاعا واسعا من المتضررين الأكثر هشاشة لعواقب الحظر و الوباء من (الفقراء و أصحاب المهن الحرة و عمال المياومة و أهل الترزق اليومي) سيكونون متعاملين مؤكدين مع المصارف الحكومية المرتجاة، حيث أن هذه الشريحة غير مستهدفة في نشاط المصارف التجارية ولن يشكل ذلك منافسة للقطاع الخاص المصرفي.

كما أن امتلاك الدولة لمصارف شبه تجارية سوف يعزز من قوة الحضور الرسمي كرافعة سيادية مالية و اقتصادية في خطط التنمية و التحفيز المطلوبة.

سعر الصرف:

الدول ذات الهيكل الاقتصادي القائم على التصدير -مثل الصين- تفضل انخفاض سعر صرف عملتها الوطنية مقابل الدولار مثلا و ذلك لتحسين الميزة التنافسية السعرية للبضاعة المصدرة في الأسواق العالمية، وهذا جزء من الحرب التجارية الحاصلة مع الولايات المتحدة.

إن تمسك بعض الدول بسعر صرف مرتفع لعملتها المحلية أمر قد ينسجم مع وظيفة الاستقرار المالي للبنك المركزي، لكنها تتعارض مع التوجهات التصديرية التي تعتبر أحد أهم موارد العملات الصعبة و أبرز عوامل دالة نمو الدخل القومي الإجمالي.

الإصدار النقدي:

في ظل إصدار نقدي جديد للدولة وسلطات البنك المركزي، فمن المتوقع ضخ سيولة ذات أثر تحفيزي مباشر للسوق، حيث سيرتفع النشاط الاقتصادي كنتيجة لتحفيز الطلب والاستهلاك المحلي. لاحقا قد نواجه مشكلة التضخم و انخفاض سعر الصرف و انخفاض سعر الفائدة، لكن ليست هذه المشكلة كون الخطة أصلا تتضمن ذلك، أما مشكلة التضخم فيمكن كبحها بأدوات السياسة النقدية مرة أخرى حيث يمكن جمع الأموال من الأسواق مقابل سعر فائدة منخفض بمجرد إصدار سندات و أذونات خزينة وغيرها من أدوات.

جزء كبير من الدين العام يتم إصداره بالعملة الوطنية، النسبة تصل إلى 65% في حالة الأردن. إن إصدارا نقديا بالقدر المدروس سيجعل الجميع يساهم في تحمل عبء خطة التنمية والتحفيز، والجميع سيشارك وقتها بتحمل "ضريبة" تخفيض قيمة العملة الوطنية مقابل النهوض من الأزمة.