البرد الذي يقتل

mainThumb

01-08-2022 08:58 AM

في قصة قديمة تبيع طفلة في ليلة ميلاد باردة علب الكبريت، كانت تريد أن تبيع ما لديها قبل عودتها للبيت، لكن الناس في الشارع كانوا يهرولون مسرعين إلى بيوتهم قبل أن يحلّ موعد العشاء. ربما تعثروا بها وهي تحاول اللحاق ببعضهم، عارضة علبها، لكن كان من الصعب الانتباه لطفلة فقيرة متسخة. كان الثلج يغطي الشوارع والبيوت، والبرد يقضم قدميها الصغيرتين، فاختبأت في زاوية بين بيتين، وانكمشت على نفسها بحثا عن الدفء. فأشعلت عود ثقاب فانبعث منه دفء قليل، ونور أضاء مخيلتها بأشياء جميلة، لقد اجتمع الدفء والحلم في شعلة واحدة، فأشعلت العود الثاني، ثم الثالث، ثم الرابع، وكانت الأحلام تتوإلى مثل شريط حكائي لذيذ، ظهرت لها جدتها الحنون، فأرادت أن تبقى لأطول مدة ممكنة، فأشعلت ما تبقى لها من أعواد الثقاب، فكان لها ما أرادت، أخذتها الجدّة في حضنها وحملتها إلى السماء، حيث لا برد ولا جوع ولا فقر. تلك قصة «بائعة الكبريت» الشهيرة للكاتب العبقري هانس كريستيان أندرسن، التي قرأناها في عمر كنّا نصدّق فيه كل ما تجود به المخيلة من أفكار، وكنّا لا ندرك أن ما كانت تحتاجه بائعة الكبريت في الحقيقة ليس أن تبيع كل علب الثقاب وتعود للبيت حيث والدان قاسيان، وإنّما كانت بحاجة للاهتمام والحب والحنان.
في قراءة أخرى مختلفة لهذا القصة، سنكتشف أنها غير موجهة للأطفال بين الخامسة والتاسعة، فكل من لم يشفَ من طفولته سيعود إليها، وقد يقرأها لأبنائه أو لأحفاده، لكنّه في الحقيقة يبحث عن شعلة الدفء تلك التي انبثقت منها الجدة الحنون، وعن ذلك الحضن الدافئ الذي لا مثيل له. تنتهي قائمة الأحلام الجميلة حين تظهر الجدّة، فتشعل الصبية ما تبقى لها من أعواد الكبريت دفعة واحدة، في مشهد أسطوري، كمن يقامر بورقته الأخيرة من أجل رهان ما فإذا بها الورقة الرابحة.
بعد حصولها على حضن الجدة لن تحتاج الفتاة الصغيرة لمزيد من الأحلام. إذ ندرك أنها حصلت على كل ما تريده. لا شيء غير الحب، يمدُّنا بالاكتفاء حين يكون متوفرا، ولعلّ الشعور بالحزن الذي ألمَّ بالمارّة بعد اكتشاف جثة الطفلة في اليوم التالي، رافقه شعور كبير بالذنب كنتيجة حتمية لما حدث، لقد كان ثمن الحب بخسا جدّاً، ومع هذا كان من الصعب منحه في وقته، إن كان ثمن الحب يساوي ثمن علبة كبريت، فلماذا لم تبع الطفلة علبها القليلة؟
آه، لقد ارتبط كل شيء بالوقت، فالجميع كان مرهونا بالوقت، والعيد الذي يرتبط بطقوس اجتماع العائلات حول مائدة العشاء بكل مباهجه الجميلة والكثيرة، موعد يجب عدم تفويته. فيما منذ الأزل كان الوقت عدوّ الإنسان الأول والأخير، وهو الذي يدفعه لاتباع سلوك معين، بما في ذلك إبراز وجهه الشرير أو الطيب. وبصرف النّظر عن طبيعة البشر المختلفة بسبب المتوارث جينيا أو اجتماعيا أو ثقافيا، يلعب الوقت دورا مهما لجعل تلك الطبيعة تتغيّر.
فكرة وجود حياة أخرى بعد التي نقضيها على الأرض في المعاناة، فكرة جذّابة ومبهرة لتمديد الوقت إلى اللانهاية، وفكرة الموت في حدّ ذاتها، سواء كان مروِّعا أو شاعريا تظل فكرة جيدة لخلق عناصر مثيرة في كل قصة. الموت عنصر متكرر في الأدب، وقد يكون محوريا في العمل الأدبي، كما هو في قصة «بائعة الكبريت» حين ارتبطت نهاية المعاناة بموت الطفلة، وأخذ الموت شكل رحلة جميلة لعالم أفضل.
بالتأكيد القصة تثير البؤس الاجتماعي الذي عرفته بعض بقع العالم في القرن التاسع عشر، ومنها بلد أندرسون نفسه، الدنمارك، إذ تعود جذور هذه الحكاية إلى واقع مرير عاشته جدّته، التي مارست التسول وهي طفلة، ونامت في إحدى ليالي الشتاء تحت أحد الجسور. لا شك في أن الجدة التي روت قصتها لأحفادها، لم تكن تعرف أن قلب هانس كريستيان الصغير لن يغفر للطبقة الثرية أنانيتها المبالغ فيها، فيصوغ القصة برؤاه الخاصة، متخيلا أطفال الطبقة الفقيرة، وقد غابت عن حياتهم أشياء بسيطة في ليالي الشتاء، مثل موقد يشتعل فيه الحطب، وأوزة مطبوخة وشموع تنير البيت، مكوّنات ثلاثة تختصر الدفء والضوء والشعور بالأمان.
عندما نتحدث عن الموت والفقدان علينا أن نتوقف طويلا عند حجم الألم الذي يخترق قلوبنا ويبقى هناك. لقد عشنا طفولة خالية من التحضيرات النفسية لدورة الحياة، لهذا نتعرّف على الموت عن طريق الصدمة، فيما كشف خبراء علم النّفس، أن قصصا مثل «بائعة الكبريت» نموذج جيد لتعريف الطفل بالموت قبل حدوثه في الواقع، لكن مع بعض التصحيحات، لذلك وجب إعادة قراءتها بعيني النضج وإدراكه.
أولا، لا يمكن للموت أن يكون رحلة جميلة إلى السماء أو إلى الجنة أو إلى أي مكان قد نخترعه، ظنا منا أن ذلك يريح الطفل. إن الموت غياب أبدي ونهاية حياة كل كائن حي. لا بأس من تعلّم دروس الحياة والموت من الطبيعة حولنا، وتأمل الطبيعة عبر فصولها الأربعة، وكائناتها الحية الكثيرة التي تتكاثر وتكبر وتموت.. لكن هل يشبه الإنسان في دورة حياته دورة حياة القطط والعصافير والكلاب، أو حتى الأزهار والثمار والحشرات؟ إن هذه هي الفكرة التالية بعد الاقتناع بالأولى، نعتقد دائما أن الزهرة التي تموت ستزهر بشكل جديد في الربيع المقبل، إذ لا يخطر في بالنا أبدا أن كل كائن حي حين يموت نفقده إلى الأبد، وإن كانت متعة امتلاك الأزهار مرتبطة بمنظرها الجميل، حتى إن كان عمرها قصيراً، فإن ارتباط الإنسان بالإنسان معقّد، وتتحكّم فيه عوامل كثيرة. لقد وظّف أندرسون تقاطعات الفقر والغنى، البرد والدفء، الشر والخير، واللامبالاة والحنان، والحياة والموت، لرسم عالمين مختلفين شكّلا اللوحة المشوّهة للإنسانية. استعان الكاتب بمشاهد الحياة القاسية لتحريك الضمائر الميتة، بحث عن طريق فتاته الصغيرة عن لمسة دافئة، عن حضن حنون، عن فرصة لينال القليل من الحب.
في كل تفصيل من تفاصيل هذه القصة اللذيذة الحزينة نتعلّم كيف نقاتل في الحياة من أجل البقاء، ولو أن يدا حنونة امتدت إلينا في الوقت المناسب ما كنّا لنموت مبكرا…
يحدث أن نموت في عمر الطفولة، دون أن تغادرنا الحياة تماما، فنبقى عالقين بين عالمين، فلا عالم النضج يتقبلنا ولا عالم الطفولة يفعل. من السيئ أن نتخلّص من القصص التي هزّت مشاعرنا ونحن في عمر البراءة الجميل، لقد تفاعلنا بصدق مع أبطالنا الصغار، وفهمنا الدّرس الذي عقّدته الحياة في ما بعد. فلا بأس من إشباع رغبات قديمة بقراءة جديدة متجددة لها، والبحث عن ذواتنا حين نشعر أننا تهنا في الطريق. كل طفل يطالب بجرعة الحب التي تلزمه، وإن لم يأخذها في حينها ستتحوّل إلى مرض مميت، ستتسع، وتلتهمه، كالنّار إن لم تجد ما تأكله تأكل نفسها.
من المحزن أن أطفال اليوم قد لا يعرفون أعواد الكبريت، ولا سمعوا بقصص أندرسون، وربما لن يروا في ظرف سنوات كتبا ورقية وقصصا كتبها لهم أدباء عاشوا من مئتي سنة، وظلّت محافظة على سحرها، لكن من المحزن أكثر أن البرد بقي نفسه، وربما يزداد شراسة سنة عن سنة بسبب التغيرات البيئية الكبرى، وأن عدد الأطفال الذين يموتون في العالم بسبب البرد هائل، أما الذين يموتون بسبب برد العواطف فرقمٌ لا يخطر على بال.