الهمّ واحد وان اختلفت الأوطان

mainThumb

02-08-2022 11:26 AM

سياتل –Seattle – زعيم قبيلة دواميش وسكواميش التي امتهنت صيد السمك في شمال الغرب الأمريكي-Northwest - . ومدينة سياتل أخذت اسمها من اسمه . وقد ألقى الكلمة التالية قبل تسليم أراضي القبيلة للمستعمرين البيض حيث وجهها إلى اسحق ستيفنز –Isaac Stevens - في سنة 1854. وهذه الكلمة لا تعبر عن مشاعره وحده فقط بل تعبر عن مشاعر كل الشعوب التي تعاني من نير الاحتلال والقهر. وقد يتعدد المستعمرون لكن نهجهم واحد في اذلال الشعوب ذلك النهج الذي يولد مشاعر واحدة لدى الشعوب الرازحة تحت نير الاستعمار والعبودية .فهي واحدة رغم اختلاف الأماكن والأزمان!


التراب المقدس
الزعيم سياتل

تبدو لنا السماء العالية هناك خالدة، لكنها قد تتغير يوما ما، تلك السماء التي طالما انهمرت منها دموع الرحمة على شعبي عصوراً لا تعد ولا تحصى. فاليوم يبدو لكم الطقس جميلا لكنه قد يكون غداً ملبّدا بالغيوم. وكلماتي كالنجوم الخالدة التي لا تتغير أبداً. فكل ما يقوله سياتل يمكن للرئيس الكبير القابع في واشنطن أن يعّول عليه ، وعليه ان يكون واثقاً من ذلك وثوقه من أن الشمس ستشرق من جديد وأن الفصول ستعود. فها هو القائد الأبيض يبلغني تحيات الرئيس الكبير في واشنطن: تحيات الصداقة والمودة !. وهذا لطف منه ليقيننا أنه غني عن صداقتنا في مقابل ذلك. فشعبه كثير العدد كالعشب الذي يغطي السهوب الشاسعة وشعبي محدود العدد مبعثر كأشجار في سهل اجتاحته عاصفة. فأنا لن اطيل الحديث عن أُفولنا الذي جاء قبل وقته ولن أبكي على ذلك ولن ألوم اخواننا ذوي الوجوه الصفراء الشاحبة لتعجيلهم يوم ابادتنا، فنحن ايضا لابد أن يلحقنا اللوم بطريقة ما...
إلهكم ليس إلهنا، فإلهكم يحب شعبكم ويكره شعبنا. فهو يحنو بذراعيه القويتين المنيعتين ضاماً ذوي الوجوه الصفراء الشاحبة ويأخذ بأيديهم كما يقود الأب الحاني طفله الصغير_ لكنه تخلى عن ابناءه الحمر- ان كانوا حقاً ابناءه. وإلهنا ، الروح العظيمة، قد تخلى هو ايضا عنا. فإلهكم يمدكم بالقوة كل يوم. وعما قريب ستملئون الأرض. اما شعبنا فيتلاشى منحسرا انحسار الجَزْر بعد مد ، ولن يعود ابدا. واله الإنسان الأبيض لن يحبنا أو يحمينا. فنحن كالأيتام لا ناصر لنا نلجأ اليه. قل لي بربك : ما الذي يجعلنا إخوة لكم؟... فنحن وأنتم عرقان متمايزان من أصول لا رابط بينهما ، كما أن مصيرينا متباعدان ايضاً. فلا شيء يجمعنا.
ولكن هناك فرقاً بيننا وبينكم فنحن نقدس رماد اسلافنا الذين يرقدون بسلام في باطن الأرض. اما انتم فقد ابتعدتم كثيراً عن قبور اسلافكم دون ندم ولا مبالاة. و ربكم نقش دينكم على ألواح من حجر بإصبعه الحديدي كي لا تنسوه. و الانسان الأحمر لا شأن له بدينكم ، فلن يستوعب او يتذكره. فديننا هو تراث أجدادنا- احلام أهلنا الطاعنين في السن اوحاه اليهم الروح العظيم في ساعات الليل الهادئة، و هو رؤى زعماء قبائلنا ، فطبع واستقر في قلوبنا .

أما موتاكم فلا يحبونكم و لا يحبون الديار التي ولدوا فيها ، فهم ينسون ذلك لحظة تجاوزهم أبواب اللحود راحلين بعيدا الى ما بعد النجوم. و أنتم تنسونهم سريعاً وهم لن يعودوا اليكم ابداً. أما موتانا فلن ينسوا مطلقا ً الحمى الدافئ الجميل الذي درجوا فيه.
الليل والنهار لا يلتقيان . فطالما هرب الانسان الأحمر بعيدا عن نهج الانسان الأبيض كما يهرب الضباب أمام شمس الصباح. لكن ، يبدو اقتراحكم مقبولاً واحسب أنه يلاقي قبول شعبي الذي سينحاز الى المحمية التي تكرمتم بها علينا. وعندها سنعيش بسلام بعيدا عنكم.... فما عاد يهمنا أين نقضي ما تبقى من اعمارنا فأيامنا باتت معدودة. اشهر قليلة ، وفصول شتاءنا اصبحت محدودة ولن يبق اي من سلالات الحشود العظيمة التي طالما دبت على وجه هذه الأرض الرحيبة أو عاشت في بيوتها السعيدة ، ترعاها الروح العظيمة، لن يبق احد منها يبكي قبور شعب كان اكثر استقرار وسلاماً وقوة منكم! لكن لماذا أندب نهاية شعبي التي حلت قبل موعدها؟ فهذه هي الدنيا: قبيلة تتلو قبيلة وأمة تخلف امة كأمواج البحر. هذا هو نظام الطبيعة ،فالحسرة لن تجدي نفعاً. وقد يكون يوم نهايتكم بعيداً ، ولكنه آتٍ آتٍ حتى وإن كان انسان أبيض سار معه الهه وكلمه كما يكلم الصديق صديقه ، رغم هذا فلن ينجو من النهاية المحتومة التي تحل بالناس جميعا، وعندئذ قد نكون اخوانا متساوين . انتظروا فانا معكم منتظرون...
ولتعلموا أن شعبنا يقدّس كل بقعة من هذه الأرض . ففي الأيام الخوالي قدّس شعبنا سفوح الهضاب و التلال كلها والوديان والسهول والبساتين، قدسها جميعا في السراء والضراء. فالغبار الذي تدوسه اقدامكم هذه اللحظه يلامس أثار اقدامهم بحب غامر لا تعرفه أقدامكم ، فهذا التراب جُبِلَ بدماء أجدادنا ،وأقدامنا الحافية تحس بلمسات الحنان تلك. وحتى الأطفال الصغار الذين عاشوا هنا وطفقوا مرحاً هنا لفصول قصيرة سيعشقون هذه البراري المكفهرة ويرحبون في المساء بعودة الروح العظيمة التي تظلهم . ومع هلاك آخر إنسان أحمر تصبح ذكرى شعبنا اسطورة يتسلى بها البيض لكن حذار! ستعج هذه الشواطئ بمن ماتوا من شعبي لكنكم لن تروهم ولا يظنّن أبناؤكم انهم وحدهم في الحقول والمتاجر والمخازن ، وعلى الطرقات السريعة وفي صمت الغابات التي لم تطرقها الأقدام ، فأطفالنا هناك في كل مكان فالديار ليست لكم وحدكم.. وفي الليل عندما تسكن شوارع مدنكم وقراكم لا تحسبوا انها اصبحت مهجورة ، بل هي تعج بالحشود العائدة التي عاشت على هذه الأرض الطيبة وعشقتها. فالبيض لن يكونوا ابدا وحدهم .
كونوا ايها البيض عادلين وعاملونا بلطف وإحسان ، فأن الموتى لا تعوزهم القوة. أقلت " الموتى"؟ لا يوجد شيء اسمه الموت بل انتقال من عالم الى عالم آخر.
****

وفي أعقاب الحرب الأهلية جاءت موجة من البيض واستقرت وبنت البيوت في اراضي قبيلة كيواس –Kiowas - ناقضين بذلك المعاهدات التي وقعتها الحكومة الامريكية. ورداً على ذلك قاد ساتانتا-ٍSatanta – " خطيب السهول" هجمات ضد المستعمرين وقد وقعت معاهدة جديدة في عام 1867 حددت المناطق التي تعيش القبائل فيها وتصطاد . والكلمة التالية تبين عدم رغبة ساتانتا في قبول المعاهدة ، وقد وجه هذه الكلمة لمندوبي حكومة الولايات المتحدة ، ثم اشتعلت المقاومة من جديد وسجن على اثرها ساتانتا الذي قتل نفسه في سجنه راجيا بذلك اشعال روح المقاومة في قبيلته لرفض الخنوع والخضوع للمستعمرين.

يكاد قلبي ينفجر

أحب الأرض وجواميسها ولن اتخلى عنها. أريد منكم أن تعوا جيدا ما أقول. دونوا قولي على الورق ... واني لأسمع كلاما كثيرا من مندوبي الأب الكبير، الرئيس أندرو جونسون، الذين يقولون دوما مالا يفعلون ، فأنا لا اريد أياً من مستشفياتكم وكنائسكم ومدارسكم على أرضنا. أريد اطفالنا ان ينشئوا كما نشأنا...
نبئت انكم ستضعوننا في محمية بجانب الجبال. أنالا اريد الاستقرار فانا أعشق التجوال في السهوب حيث الحرية والسعادة ، وعندما نستقر نذوي ونموت. لا أريد حربكم فقد ركنت جانبا رمحي وقوسي وترسي ، ومع ذلك لا اشعر بالأمان وانأ قريب منكم! لقد قلت لكم الحقيقة ، ولم اكذب أدنى كذبة ، لكني لا أعرف ما لدى المندوبين! هل هم واضحون مثلي؟ منذ عهود طويلة خلت وهذه الارض أرض اجدادنا؛ لكني عندما اذهب الى النهر أرى معسكرات الجند على ضفتيه. هؤلاء الجنود يقطعون اشجارنا ، ويقتلون ماشيتنا ، وعندما أرى ذلك أشعر أن قلبي سينفجر ,اشعر بالأسى ، اشعر بالأسف والحسرة لأني قد بحت بما في نفسي.