هل ينجح الاحتلال في تحييد حماس؟

mainThumb

08-08-2022 06:37 PM

في الوقت الذي مارست أنظمتنا العربية هواية الشجب والاستنكار والدعوة للتهدئة، أثناء كل الأعمال العدوانية التي يقوم بها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة، كانت تلك الصغيرة التي لا يتجاوز عمرها سبع سنوات، تقف في أحد مستشفيات القطاع بضمادة على جبينها، وقد تخثرت الدماء المتناثرة على رقبتها ووجهها، بعد نجاتها من القصف الوحشي، وهي تقول في شموخ وقوة لا تتفق وحداثة سنها والأهوال التي عاينتها: إسرائيل تحت رجلي.
غزة تلك البقعة الصغيرة، كبعوضة النمرود، تمثل صداعا مزمنا في رأس الاحتلال الصهيوني، فهي القطاع العصي على الهيمنة الإسرائيلية، وفيها معقل المقاومة التي مرّغت أنف الاحتلال في التراب، تحدث كما شئت عن اختلاف بعض سكانها مع حركة حماس، التي تدير القطاع، بسبب المعاناة المعيشية، أو مع المقاومة ككل بسبب دفع القطاع ثمنا باهظا للصواريخ التي تطلقها المقاومة باتجاه المستوطنات ومعاقل الاحتلال، لكن يبقى الصمود هو العلامة البارزة لدى سكان القطاع، الذين ألفوا قصف الطائرات والصواريخ على القطاع على مدى سنوات طوال، وكل بيت منهم له شهيد أو أكثر، ارتقوا بسبب العدوان الإسرائيلي، ومنحهم الانتصار على العدو في غير موقعة، شعورا بالفخر والعزة، فيزيد من احتمالهم للظروف القاسية، حتى إن اختلفوا أحيانا مع المقاومة، ومن أعظم أسباب صمود أهل القطاع، شعورهم بالتفرد في أنهم لا يُحكمون من حكومات عميلة للاحتلال وراعيه الرسمي (أمريكا)، ولا من أنظمة مطبعة تتعاون مع الكيان الإسرائيلي، من دون اعتبار للقضية، بل تحكمهم مقاومة أذلت ناصية الاحتلال.
من هذه العلاقة بين المقاومة والحاضنة الشعبية في القطاع، نتطرق إلى علاقة أخرى بين فصائل المقاومة ذاتها، نحن نعلم أن هناك اختلافات في التوجهات بين الفصائل، لكن مساحة الاتفاق واسعة جدا، نظرا لأن هذه الفصائل تعيش ظروفا واحدة، وتتبنى خيار المقاومة في التعامل مع القضية الفلسطينية، على اختلاف في ما بينها في أوقات التحرك والسكون وعلاقاتها بالدول والأنظمة، وكثيرا ما يجري التنسيق بينها وعمل غرفة عمليات مشتركة حال العدوان. يتفرع عن ذلك، التعرض لموقف حركة حماس من العملية العسكرية التي يشنها الاحتلال على حركة الجهاد الإسلامي وجناحها المسلح سرايا القدس، وتنال من أرواح المدنيين ومنشآتهم، حيث تم اغتيال تيسير الجعبري القيادي البارز في سرايا القدس على يد الاحتلال الجمعة الماضية، وتصعيد قوات الاحتلال عملياتها العسكرية على غزة، معلنة أنها تستهدف فحسب حركة الجهاد الإسلامي بذراعها العسكري سرايا القدس، في عملية محدودة، وأنها لا ترغب في التصعيد، وأن عملياتها لا تشمل حركة المقاومة الفلسطينية حماس التي تدير القطاع. حتى هذه اللحظة، لحظة كتابة هذه السطور، لم تدخل حماس على خط المواجهة مع الاحتلال، رغم سقوط عشرات القتلى ومئات الجرحى، ما أثار تساؤلات البعض، واتهامات من البعض الآخر للحركة بأنها تنأى بنفسها عن المواجهة، طالما أن الأمر لا يتعلق بمصالحها الخاصة، فهل بالفعل استطاع الاحتلال تحييد حماس؟ لنتفق على أن حماس لا ترغب في المواجهة في الوقت الحالي، لأنها ترى أن المصلحة تقتضي تأخير المواجهات، للاستفادة من الوساطة القطرية والمصرية المتعلقة بالتهدئة، في تحسين الظروف المعيشية للقطاع، الذي يعد الحاضنة الشعبية للمقاومة، وتخفيف الضغط عليه لمنع الانفجار الداخلي، إضافة إلى أن عامل الوقت سيكون مهما في تطوير قدراتها العسكرية، وانطلاقا من هذا ضغطت حماس على حركة الجهاد الإسلامي لمنع التصعيد. من مصلحة الكيان الإسرائيلي وقف عمليته على القطاع، لذلك يحذر خبراء الشؤون الأمنية والعسكرية الإسرائيليون من استمرار العملية العسكرية، تجنبا لدفع حركة حماس إلى أن تكون على خط المواجهة، ما يزيد الأمر تعقيدا.
يمكن القول بيقين إن العمليات العسكرية الإسرائيلية على غزة، إن لم تنته خلال هذه الأيام، فإن حماس سوف تشارك في المواجهة لا شك، لعدة اعتبارات.
أولها أن عزوف الحركة عن المشاركة، سوف يفقدها مصداقيتها كحركة مقاومة، يفترض أنها تتبنى المقاومة كخيار استراتيجي، ويظهرها في هذه الحال بثوب الحركة التي تعلي من شأن مصالحها الخاصة على الشأن العام في القطاع، وهي تهمة معلبة بالأساس تلاحق الحركة من قبل خصومها، وهذا يترتب عليه خسارتها للحاضنة الشعبية التي أرهقتها بالأساس الظروف المعيشية الصعبة في القطاع، إضافة إلى أنها تفقد بذلك تعاطف الجماهير الإسلامية والعربية، ولا أرى أن حماس سوف تقدم على هذه الحماقة حال استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية. كما سوف تخسر حماس في هذه الحالة، الوضع السويّ الفريد الذي وصلت إليه الفصائل في المواجهات منذ عامين، حيث كانت وحدتها في منظومة عمل واحدة أبرز مشاهد المعركة، الأمر الذي سيحرم الحركة لاحقا من الاستفادة من هذا المناخ حال اندلاع مواجهات بينها وبين الكيان الإسرائيلي.
يتأكد دخول حماس على خط المواجهة، مع التوقعات الدائرة بشأن اعتزام قوات الاحتلال شن عملية عسكرية شاملة لوضع حد للصداع المسمى قطاع غزة، لاسترداد هيبتها التي تمرغت في الوحل قبل عامين، وطمأنة الرأي العام الإسرائيلي الساخط على عدم قدرة حكومته على حماية شعبها من صواريخ القطاع، وهذا ما يتفق مع الأنباء الواردة حول استدعاء قوات الاحتلال خمسة وعشرين ألف جندي على حدود غزة، ونقل مليون ونصف مليون مستوطن إسرائيلي من الغلاف، ما يثير التكهنات بأن القوات الإسرائيلية سوف تشن عملية شاملة على القطاع. أما عن تفسير عدم التحرك العسكري لحماس رغم تصريحاتها الإعلامية التي تندد وتتوعد الاحتلال، وتؤكد على وحدة الفصائل، فأغلب الظن، أن هذا التمهل يتم بالتنسيق مع الجهاد الإسلامي والفصائل الأخرى، لتخفيف أثر الضربات التي حتما سوف تزيد بشكل محموم، إذا دخلت حماس على الخط، فيكون الاكتفاء بتحركات الجهاد الإسلامي ومن شاركها من الفصائل الأخرى، لعدم وصول التصعيد إلى الذروة، كما أن الفصائل تترقب نية الاحتلال في القيام بعملية شاملة أم لا، ومن ثم تتريث حماس بحيث تتدخل على قاعدة الاضطرار. وربما تعزز هذه الرؤية، الأنباء الواردة عن غرفة عمليات مشتركة تجمع فصائل المقاومة في غزة. وفي تصوري الشخصي، أنها ستكون عملية شاملة، تتزامن مع تحركات صهيونية تقوم بالتصعيد في الأقصى، لإنهاء التهديدات الأمنية التي تطال الاحتلال من داخل القطاع، وفرض واقع جديد في القدس، وهذا بلا شك، يؤكد دخول حماس على خط المواجهة، ما لم تعلن قوات الاحتلال إنهاء عمليتها العسكرية في غضون أيام قليلة، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.