أولى لك فأولى ، ابدأ بالحلقة الأولى

mainThumb

16-08-2022 01:06 PM

المجالس مدارس ، فكيف عندما تكون مجالس وأيام وتجارب مشتركة ، وتعلّم ، وتربية ، وتبادل خبرات ، ونقل للمعرفة ، كما يحدث بين أفراد الأسرة الواحدة؟

الأقارب يمكن تصنيفهم وتوزيعهم على حلقات تحتوي بعضها ، وداخل بعضها البعض ، وتبدأ من الحلقة الأولى وهي الأسرة ، والمقصود بها الزوج والزوجة والأولاد والأب والأم إن كانوا على قيد الحياة ؛ ومن ثم الحلقة الثانية بعد الأسرة وهي حلقة الإخوان والأخوات ، ومن ثم حلقة الأعمام والأخوال ، ومن ثم حلقة أبناء العم والخال ، وبعد ذلك باقي الأقارب من العائلة الكبيرة ويُقصد بها العشيرة.

الأسرة هي نواة الحلقات ولبنة الأساس لبناء الحلقات الأكبر للعائلة والمجتمع ، فعندما تكون الأسرة مثالية ونموذجية ومبنية على القيم السليمة والأخلاق الحميدة ، سوف تشكل أساساً قوياً للحلقات الأخرى ، حيث فيها يتربى الأبناء والبنات على الصلاح ، ويكبرون على الهمة والمُثُل العليا والخير والعطاء والمحبة.

الأسرة شيء ضروري جداً وأساسي في الحياة في كلّ وقت ، ومهما اختلفت الظروف وتقدمنا بالعمر نبقى بحاجتها ونتمسك بها أكثر ، لأن رابطة الدم مهمة وباقية ، ولا يمكن أن يشعر الإنسان بالإكتمال والسكينة وراحة البال والإستقرار دون أسرة يحبها ويحترمها وينتمي إليها ، في الأسرة يكون المكان الصالح للتربية والمتعة والحنان ، حيث المشاعر الجميلة ، مشاعر الأبوة والأمومة والبنوة والأخوة. في الأسرة تجد المهد الحقيقي للطبيعة الإنسانية ، الأسرة هي الوطن ، هي الأمان ، فيها السر والستر ، فيها المكان الذي يكون فيه الإنسان على طبيعته براحة وثقة وطمأنينة ، دون خوفٍ من أي شيء. من الأسرة ينشأ مصدر القوة والإستقرار النفسي والعاطفي والسعادة دون مقابل وبلا انقطاع.

أجمل شيء في الدنيا هو علاقة الحنان والعطف والدفء والتعاون والبر والمحبة التي تجمع الوالدين بأولادهما ، حيث يحرص الآباء على تربية أبنائهم تربية سليمة ضمن الأصول والأخلاق والإلتزام بالقواعد المجتمعية ليعيشوا في رغد وليصبحوا قادة المستقبل ، ويعمل الآباء على تلبية حاجات أولادهم النفسية والمادية مهما بلغت التضحية والأبناء بدورهم لا يقصرون في طاعة الوالدين واحترامهم ومساعدتهم في كل ما يستطيعون ، فتبقى الأسرة متعاضدة متماسكة متكاملة ، وتكون مركب للنجاح وتحقيق الأهداف ، وتبقى سداً منيعاً في وجه الأيام والمنعطفات.

يبدأ نجاح الأسرة من علاقة الزوجين ببعضهما البعض وإحترامهما لبعضهما ، وحنوّهما على الأبناء ، وتوعيتهما إياهم بحقوقهم وواجباتهم ، حيث يجب أن تسود في الأسرة قيم الصلاح والمسؤولية ، وإذا تعرضت العائلة لأي مشاكل أو أزمات يجب أن يكون أساس الحل هو الحكمة والتَّفهم والرؤى القريبة والبعيدة وحساب القادم في الدنيا والآخرة .

إن وجود الوالدة في المنزل كل يوم، بجمال وجهها وتفاصيلها وعنايتها وحبّها ورعايتها الصادقة بإيثار ورضى ، ونظراتها الودودة الحنونة تعطيك الطاقة التي تساعدك على الإستمرار بإصرار وقبول ، وتدفعك لمواصلة العيش مهما كانت الظروف ، فتمضي الأيام وأنت تشعر بالراحة والطمأنينة .
 
عندما تقع في مشكلة أو تتعرض لموقف معين ، من الطبيعي أن تجد أخاك بجانبك ويقف معك ويعطيك الأولوية ، ويساندك دون تردد وبكافة السبل ، كونه الأقرب منك ويفهمك بكل التفاصيل ويعرف قيمتك وشعورك وقدرتك على التحمل.

عندما يحدث وتدخل مع أختك في جدال أو نقاش حول موضوع معين فتختلف معها ، يجب أن لا يُحدِث هذا الخلاف مشكلة أو يُفسد العلاقة الأخوية ، ويجب أن يعترف المخطئ ويكون التنازل من الطرفين ، والمهم هنا هو النية الحسنة والصدق والوضوح ، وعدم قلب الحقائق ، وعدم الكيل بمكيالين ، وعدم ترك الأيام تَمر دون إيجاد حل للخلاف إن حدث ، لأن ذلك يزيد من الخلاف وتقسى القلوب ، وتذكّر أن الحياة ممكن أن تنتهي في أي وقت ولا ينفع بعدها الندم ولم يبقَ مجال للإصلاح.

القرب والودّ مع العم والخال يعتمد على العلاقة مع الأب والأم ، وغير ذلك على الفوائد المشتركة ، ويدخل في هذه العلاقة فرق السن ، وإثبات الرأي ، وفرض السلطة ، وتنتهي بالقبول والموافقة أو التنازل لتستمر العلاقة ، أو الإعتراض والرفض والإبتعاد والجفاء. في معظم العائلات تكون هذه العلاقة حساسة ومتأرجحة ، وممكن أن تتغير أو تنقلب بأي وقت.

العلاقة مع أبناء العم والخال تعتمد على المصالح المشركة واتفاق الآراء والمقابلة في آداء الواجبات وتطابق الأمزجة ، ومن السهل أن يحدث اختلاف على أبسط الأمور وتضعف العلاقة ويحدث الإبتعاد.

يشعر الإنسان بقيمة وأهمية العائلة ودعمها عندما يمر بالمواقف الصعبة ، كفقدان الوالدين أو السفر أو التعرض لحادث أو مصيبة ، فبدون العائلة لا يوجد سقف يحميه ولا سند يتكأ عليه ، وبدون العائلة يفتقد الإنسان للحب الحقيقي والحنان والرعاية ولا يجد من يشاركه أفراحه وأحزانه ، أو نجاحه وفشله ، وتكون الأسرة هي من يلتزم حقاً بكل تفاصيل الدعم النفسي والمادي وبذل الجهد مهما بلغ.

لا مجال للخلاف مهما كانت الأسباب في الحلقة الأولى (الأسرة ) ، وإلا سوف تكون الحياة عصيبة وتؤدي إلى الجحيم ، وإن كان هنالك أي شوائب أو اختلاف في وجهات النظر يجب حلها بأسرع وقت والتنازل بحنية ورحمة وهدوء ، وتوضيح وجهات النظر ، وإذا كانت المشكلة مع الأب أو الأم يجب التنازل بجناح الذل من الرحمة طلباً لرضاهما ، فهم الأصل والأساس والوجود والحياة ، ويجب استغلال لحظات التآلف والسعادة مع جميع أفراد الأسرة ، ويجب أن نفتح أيدينا وقلوبنا لبعض ونشكي همنا لبعض ، ونبقى لبعض طوال العمر.

بالنسبة للحلقات الأوسع من العائلة ، يكون من السهل أن يحدث خلافات واختلاف في وجهات النظر ، ويكون لذلك أبعاد أكبر ، وتعتمد نتائج الخلاف على أي حلقة من الحلقات يكون فيها الموقف ، فكلما كانت ضمن الحلقة الأوسع كلما كان الألم والأسف عليها أقل ، وتكون انعكاساتها على الحياة اليومية أخف ، وبذلك يكون اتخاذ القرار الحاسم إمابالبعد أو قطع العلاقة.

الحلقات البعيدة من العائلة هي عادةً حلقات ضعيفة ، وتعتمد على المصالح فقط ووسائل الدفاع المشتركة والعنجهية ، ولا تكون المحبة أساساً ، لذلك هي حلقة هشة لا تحتمل أي شدٍ أو تطويل ، وممكن أن تنقطع بأي وقت ، والمتوقع لهذه العلاقة أن تقوى وقت الأزمات ، عندما يكون هنالك تهديد من جهة أخرى ، مما يثبت أنها علاقة مصلحة وتُستَخدم في المصائب.

لا يوجد عائلة مثالية خالية من المشاكل ، وإن درجة تماسك العائلة يعتمد على مدى قدرتها على تجاوز المشاكل والمواقف الصعبة ، وكيفية التعامل معها بذكاء ، ومستوى تكاتف أفرادها ، وقوة وسرعة الحل للخروج من هذه التحديات.

خبرات الكثير ممن سبقونا أثبتت أن إرضاء جميع الأقارب ضمن الحلقات المختلفة هو شيء مستحيل، والنزاعات والإختلافات في العائلة يمكن أن تحدث في أي وقت ، وتكون معظم الأحيان بسبب إختلاف بالرأي أو بسبب الأمزجة المتعددة ، أو عدم المماثلة بالتصرف ، أو تقصير في واجب عائلي معين ، وهذه أشياء يمكن حلها بسهولة إذا تم الاجراء بالوقت المناسب ، وكلما تأخر الحل والمصارحة والتوضيح والإعتذار عن الخطأ ، سوف يكون هنالك إبتعاد بين الأقارب ، وممكن أن يكون في ذلك راحة بال واستقرار للطرفين حيث تنتهي المناكفات والمناحرات وتنغيص العيش على بعض ، وكذلك حتى لا تكبر المشكلة أكثر ، وتؤدي إلى خلافات أكبر ، وتكون الخسارة كبيرة على جميع الأطراف .

المشاكل تأتينا دون موعد أو سابق إنذار ، وعلينا أن نتجنبها ونبتعد عنها بدون تردد ، لأن البعد عن المشاكل هو قمة الحكمة وطريق الحياة المريحة ، واستغلال التفكير والوقت والجد بما يفيد. ابتعد قدر الإمكان عن أسباب المشاكل ، وابتعد عن الأصدقاء والمقربين والزملاء الذين يحبون المشاكل ويسعون إليها، والذين يعشقونها ، لذلك عليك الإختيار وأحياناً التضحية ببعض الأقارب حتى تستطيع أن تخلّص نفسك من أن تكون عضواً في مجموعة تختلق المشاكل. ابتعد عنهم فوراً وانضم إلى من يساعدوك على تحقيق أهدافك ، ويساعدونك على التقدم في حياتك أكثر ، لذلك لا تخدع نفسك ، ولا تُضِع وقتك الثمين في أمور قد تعني هدراً لطاقاتك وإبداعاتك.

قد تسبب المشاكل بين الأقارب الإصابة بالأمراض النفسية من الشعور بالألم والمعاناة والكآبة ، وفقدان السيطرة ، كما قد يتعرض الإنسان للإصابة بالأمراض الجسمية مثل السكري والضغط والجلطات الدماغية ، وذلك يؤثر سلباً على الصحة والإنجاز ؛ لذلك يجب البعد عن الأجواء المشحونة وعدم خلق عداوات ، وهذا تفسير لما نسمع به من الأحاديث والاقوال والأمثال المتعددة المبنية على خلاصة تجارب مريرة وقاسية ، أو صدمات مر بها أشخاص تركت أثراً بالغاً في نفوسهم.

هنالك من الأقارب من تتوقعهم أقرب الناس عندما تسير الحياة على ما يُرام ، ويخذلونك في الوقت الصعب ، وعند أول موقف أو قرار ، وقد كنت تثق بهم كثيراً وتعلق عليهم كل الأمنيات والآمال ، وهنا يكون الألم الحقيقي من الشعور بالخذلان مما انكشف لك من عدم صدق مما يُقال.

حاول أن تقترب في علاقاتك من الأشخاص الذين تثق بهم ، ابحث عن الأصدقاء من الأقارب ممن تحب رفقتهم ، أو ممن يشاركونك ذات الهوايات ، وحاول التقرب منهم أكثر ، واندمج ، ابقَ مع من يستطيعون حل المشاكل لا خلقها.
تجنب الدخول في نقاشات عقيمة ، لأنها أحد أكبر المسببات للشجار على نطاق واسع ، عليك أن تريح نفسك من خوض هذه الحوارات ، لأنك ستكسب من ورائها أعداءً أكثر مما تكسب من خلالها أصدقاء.
ارسم حدوداً واضحةً لعلاقاتك مع الآخرين ، وكن حازماً في جعل هذه الحدود مقدسة بحيث لا يستطيع أي أحد أن يتجاوزها ، لا تكثر من المزاح ، أو إثارة النكت حول الآخرين.

المشاكل لا تنتهي بين الأقارب أبداً ، هناك العديد من الأشخاص الذين يحاولون حل المشاكل العائلية ، ذلك يعني الدخول في دوامة أو متاهة لامتناهية ، والواقع لن يستطعْ أي إنسان أن يُنهي المشاكل بين الناس ، فالمشاكل لا تنتهي أبداً ، والحلول لا تنتهي أيضاً، وقد يكون حدوث مشكلة مع شخص ما فيها فائدة كبيرة له ، بحيث تعطيه الخبرات والحق بالقرار ، وكلما كانت التجربة في عمر أصغر كلما كانت الفائدة أكبر.

الأولوية للعلاقة بين الأقارب وأهميتها في واقعنا في معظم الحالات تعتمد على الأشخاص وزاوية النظر الخاصة بهم ، ولا تعتمد على الأصول ، لذلك تختلف الآراء والتطبيق ، وتتغير المواقف ، ولا يكون هنالك إتفاق على الصح والخطأ ، وتحدث الخلافات، وتنقطع العلاقات ، ولو كانت الأولوية في العلاقة تعتمد على الاصول بوجود الخُلُق والمنطق والدين ، لكانت الأمور أكثر وضوحاً ، ولن تحدث الخلافات بين العقلاء ، حيث يُحَدّد الخطأ بسهولة وسببه أمام الجميع ، وبذلك لا يكون هنالك مجال للآراء المختلفة والمصالح والفتن ، ويظهر المخطىء ، ويَعرف الكبار المعنى والموقف ، ويلتزم الصغار بالحدود والأدب والتصرف ، وبذلك يكون القرار الصحيح في وقته ومكانه ، ويتم تطبيق قاعدة الإحترام والوقار.

وأخيراً اقول:
إذا كانت عائلتك إلى جانبك والحلقة الأولى هي الأساس ، فأنت شخص محظوظ للغاية لذلك لا تفرط في هذه النعمة والسعادة وحافظ عليها بكل ما تملك من حنكة وقوة ، والتزم بالأصول في التعامل ، واستمتع واشكر الله على هذا الفضل العظيم ، ولا تنسَ مهما تغيرت بك الظروف أن عائلتك والأصدقاء الأقرب لك من عشيرتك هم الباقون معك على الحلوة والمرة ، وهم جيشك عندما تحتاج القوة والمنعة والعزة ، وهم من يشعرك بلذة الحياة حتى وأنت مفارقها ، فالموت بينهم حياة ورحمة.
والحمد لله رب العالمين. ...