عادات الأتراح بين البدع والمغالاة

mainThumb

15-09-2022 12:16 AM

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة" فما بالكم بمن سن سنة سيئة وحمل وزرها إلى يوم القيامة، وأثقل على الناس، وكلفهم بما لا يطيقونه.
عادات وبدع دخلت ضمن قائمة الموروث الاجتماعي في مناسباتنا المختلفة، بحيث أصبحت كابوس يؤرق الكثير ممن يحاول أن يكتم التذمر والمعاناة من التكاليف الباهضة لهذه العادات، خوفاً من الملامة أو النقد ويتقبلها مرغماََ، رغم قناعته أنها شكليات لا حاجة لها، إلا أننا تعودنا عليها وأصبحت سنة دارجة أخذت صفة الثبات، منها ما أكتسب بفعل الاحتكاك المباشر بعادات فرضتها التشكيلة الديمغرافية للسكان في الوطن، ومنها ما تشكل كنوع من التقليد والمجاراة للآخرين.
عادات الأتراح وبيوت العزاء كانت تتم ضمن الظروف المواتية لكل عائلة، بحيث تقدم القهوة السادة فقط خلال أيام العزاء، في مكان يتسم بالبساطة وضمن المعقول، ثم زادت الأمور تكلفة وشكليات بادر بها البعض وأصبحت سنة دارجة، مثل تقديم أفخر أنواع التمور، ويرش عليه أيضاََ أفخر أنواع الهال المكلفان لجيب أصحاب العزاء، لكي لا يتهمهم أحد بالتقصير، بحجة أنه عن روح الميت، فلو تم التصدق عن روح الميت بهذا المبلغ كان أفضل له، ولا يقتصر الأمر على ذلك حيث يطهو أهل المتوفي لمدة ثلاث أيام بمعدل ثلاث وجبات يومياً، بنفس الحجة ألا وهي خوفاً من الناس من اتهامهم بالتقصير.
حدثني أحد الشباب أنه كان واقف عند قبر أبيه يريد أن يحمله ليدفنه والحزن يملأ قلبه، وإذا بأخيه ينزل إليه ليقول له: أن عدد الأطباق التي سيتم تحضيرها للمشاركين في الجنازة لا يكفي، ونحتاج المزيد، لا أعرف أي قهر هذا وأية تركيبة من التحاليل تناسب الموقف، وأين نحن من وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: (اصْنَعُوا لآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَقَدْ أَتَاهُمْ أمْرٌ يَشْغَلُهُمْ) والأمر يقتصر على أهل المتوفي، ولا داعي للتجمعات الكبيرة.
بعض بيوت العزاء تكلف مبلغ ينقص أو يزيد عن خمسة آلاف دينار، ما بين خيام وضيافة الطعام والشراب، وتقديم التمور وغيرها من التكاليف، مما يضطر البعض للاستدانة أو تكبل مبلغ من الدين، وكل ذلك لا يفيد المتوفي بشيء، فلو تم استثمار هذا المبلغ لإعالة أيتام، أو فتح مشروع بسيط لشاب متعطل عن العمل كان أولى من كل ذلك، وكان صدقة جارية عن المتوفي.
الكثير من البدع تدخل كل فترة لموروثنا الاجتماعي، لا حاجة لها ولا فائدة تذكر منها.
نحتاج للعقلاء أن يتدخلوا بخطوات جريئة للحد من هذه العادات التي دخلت إلينا لتثقل كاهل الكثير، نحتاج لمن يبدأ الخطوة الأولى لإستثناء الكثير من هذه العادات والبدع واستبعادها من مناسباتنا ومن موروثنا الاجتماعي بذاته، واختصارها بشكل معقول، والتخفيف على الناس من هذا الحمل الذي يأخذ طابع تقليدي، ومجاراة للمجتمع لتجنب النقد واللوم، حتى لا نصل إلى نتيجة "موت وخراب ديار" .