الثقافة العربية وتأثير الغرب فيها

mainThumb

12-11-2022 12:49 PM

لفيليب حتي -مترجمة ( فيليب حتي بروفيسور امريكي لبناني عالم في برينستون وجامعة هارفرد مختص في تاريخ العرب والاسلام واللغات السامية. بجهود فردية اوجد تخصص الدراسات العربية في الولايات المتحدة. ولد في لبنان 22 حزيران -1886
وتوفي فيبرنسيتون ولاية نيو جيرسي 24 كانون ثاني 1978):
كان المجتمع العربي النموذجي في القرن التاسع عشر مجتمعا ريفيا مكتفيا ذاتيا. فكل وحدة صغيرة منه استهلكت من الملابس والغذاء ما كانت تنتجه. وكانت المعدات الزراعية بدائية سهلة الاستعمال. و وكانت الحيوانات وسائل المواصلات وكانت الاتصالات شفاهية .لكن بدأالمزارع العربي في القرن العشرين استخدام محاريث مطورة – ربما كانت –جرارات- وقد طرحمحاصيل جديدة واستعمل الكيماويات لتخصيب التربة ومكافحة الحشرات . وطرح الزائد عن حاجته من السلع فيالاسوق العامة. وشغّل الحرفيون الأوائل معداتهم يدويا على مستوى القرية . واقتضي تدفق السلع التكنلوجية من اوروبا تغييرافانكمش الإنتاج الحِرَفي وكان لابد ان تنافس السلع المنتجة بالآت محلية السلع َالأجنبيةَ المستوردة. وقدأحدث استخدام المَرْكَبات ذات المحركات والقطارات ثورة في عالم المواصلات . وتسارع الانتقال من الأرياف الى المدن تسارعا كبيرا،فتحولت البلدات في شمال افريقيا والشرق الأدنى الى مدن انتشرت انتشارا كبيرا بعد ان كانت بلدات صغيرة!

وتحت تأثير الغرب تحول النسيج المجتمعي جنبا الى جنب مع التحول الاقتصادي. فالعائلة التقليدية في المجتمعات العربية كانت عائلة ممتدة ابوية الطابع منذ الالاف السينين بطابعها القروي الزراعي حيث هيمن الجد على الوحدة المجتمعية تلك وحاز الأموال ورتب الزيجات. وخضعت البنات او الحفيدات للسلطات الأبوية لأجداد أزواجهن بدلا من سلطات اجدادهن وانتسبن الى عائلات أزواجهن. ووفرت العائلة الحماية والامن لأفرادها . واقتضى ذلك الوحدة والانتماء والولاء وقد شجعت الاسرة التضامن والوئام والاعتزاز بالنسب!
وقد حلت العائلة البيولوجية( الاب والأم وذريتهما ) تدريجيا مكان الاسرة الممتدة( ثلاثة أجيال الجد والابناء وزوجاتهم والاحفاد) وبموجب هذا النظام اصبح بوسع المقبلين على الزواج ذكورا و إناثا اختيار شريك حياتهم في سكن مستقل عن الأجداد والوالدين -غالبا ما يكون السكن في المدن من اجل ممارسة التجارة او الصناعة . واحتلت حرية التفكير والفعل في ميزان القيم مكانة أرفع من قيمة " الانتماء والولاء". وصاحَبَ حركة المجتمع الحرة حريةُ التنقل الجغرافيواقتضى هذان الامران اجهادا فكريا وعاطفيا. فعندما تتخلى المرأة عن الحجاب وتنخرط في ميدان الحياة الاقتصادية للمجتمع تواجه مشكلات واغراءات جديدة. وقد تخلى الناسسريعا عن قيم احترام كبار السن ومراعاة مشاعر الاخرين وتقاليد أُخرى. وقد تخلوا عن قيمهمبخطى اسرع من اكتساب القيم الجديدة وقد أدى ذاك التحول السريع الى الامراض العقلية والانحراف والجريمة وزادت حالات الطلاق فكان التأثير الغربي نقمة فيثوب نعمة!
وكان التعليم الرسمي وغير الرسمي اشد عوامل التأثير بين كل العوامل التي احدثت التحول المجتمعيفلم يتغير نظام التعليم في الوطن العربي الابعدمضي زمن طويل من القرن التاسع عشر فقد بقي التعليم تقليدي النمط وعكس صورة مجتمع راكد يسيطر عليه المسجد والكنيسة لا الدولة. وكان جوهر المناهج في ذاك الزمان الدراسات الدينية والتمسك بالتقاليد القديمة واللغويات . وكان دور التلميذالتلقي السلبي بدلا من الاسهام والمشاركة .
لم تكن العلوم البحتة محبّذة فيالدراسة ولم يكن في قاموس القائمين على التعليم مصطلحات مثل العلو م البحتة والتجربة والبحث والنقد .
و اجتازت مصر تلك العقبة بعد ان تخلصت من هيمنة نابليون بعد اعجاب محمد علي(1805-1848 نائب السلطان العثماني في مصر بتفوق أوروبا في مجالات الأسلحة والتكنولوجيا والاقتصاد فقد شرع في اجراء جديد : فلم يرسل الطلاب للدراسة في أوروبا فحسب بل استدعى خبراء من أوروبا حتى يخدموا مصر بمهاراتهم أيضا .وفيالفترة مابين 1826 و 1834 اوفد الى اوروبا اكثر من مائة تلميذ الى الخارج وبشكل رئيس الى فرنسا. وقددُعيَطبيبٌ فرنسي في سنه 1828 لتأسيس كلية طب في القاهرة كانت اول معهد علمي في كل منطقة الشرق الأوسط وما زالت تمارس نشاطاتها لغاية الان ( كلية الطب بابي زعبل اول كلية طب في العالم العربي).
وكما فعل نابليون الذي نهب مطبعة عربية من الفاتيكان وهو في طريقه الى مصر وجلبها الى مصر كي يطبع مواد دعائية لحملته ورسالته في مصر، قام محمد علي بإنشاء مطبعة في عاصمته ومازالت مطبعة رسمية هناك . وتم ترجمة الكتب ونشرها فظهرت الصحف والجمعيات الثقافية وأسستالمدارس . وكانت عملية التحرر من الماضي ماضية قِدَما في طريقها رغم أن الانجليز طوال سيطرتهم على مصر لمدة أربعين عاما لم يحاولوا القيام بأجراء واحد لتحديث النظام التعليمي بيد انهم أوجدوا جواً مشجعا على التعبير الحر عن الفكر وذاك الجو الحر جذب المفكرين تحديدا من لبنان!
ثم تبع لبنان مصرَ بل تأثربالغرب اكثر من مصر ,في الحقيقة سبق لبنان مصر لكن بظروف مختلفة تماما.فغالبية السكان في هذا البلد الصغير هم مسيحيون .- البلد الوحيد الذي تسوده الأغلبية المسيحية في الوطن العربي- ويتمتع بجبل مناخه بارد لطيف قل نظيره في المنطقة و اخذت الارساليات الكاثوليكية تمارس نشاطها فيوقت مبكر من القرن السابع عشر وكانت وسيلتهم هي بناء المدارس حيث زودت بالراهبات وانتشرت المدارس المختلطة في المدن والقرى على حد سواء. وانشئت مطبعة كاثوليكية في( 1853). ومارست نشاطاتها بطباعة الموادالدينية وقدتُوِجَت الجهود الفرنسية بإنشاء جامعة القديس يوسف التي احتلت مركزا قياديا لغاية الان!
اما الإرساليات البروتستانتية،معظمها امريكي،لمتمارسدورها الا في الربع الثاني من القرن التاسع عشر . وسعى هؤلاء بدورهم الى غرس أفكارهم من خلال التعليم! وأسسوامطبعتهم في عام (1835). في بيروت. وبدأت بالتعاون مع المطبعة الكاثوليكية بنشر ترجمات وأفكار دينية. لكنهم في وقت لاحق بدأوا بنشر مواد علميةوادبية وصلت النشاطات التعليمية البروتستانتية ذروتها في سنة 1866عندما تم تأسيس كلية سوريا البروتستانتية التيتعرف الان بجامعة بيروت الأمريكية وهي اقوى جامعة أمريكية خارج الولايات المتحدة. و كان الفضل لهاتين الجامعتين في نشر العلوم والتكنولوجيا في غرب آسيا, فهما بالإضافة الى الكليات الغربية اللواتي تتبعانهما اجتذبتا طلابا من العراق وسوريا ومن الأقطار المجاورة .وبفضلهما تحولت بيروت الى مركز فكر دولي!
ويتميز لبنان بحركة الهجرة الكثيفة. ففي اخر عقد من القرن التاسع عشر والعقد الاول من القرن العشرين كانت الهجرة من لبنان كبيرة جدا الى درجة ان اصبح لبنان "لبنان المهجر ولبنان الوطن الأصلي" فاصبح اللبنانيون قسمين : مقيم في لبنان ومهاجر منه .وقد كان للبنانين المهاجرين بمراسلاتهم وزياراتهم للبنان دور تغريبي من الصعب تقيمه ويتضح هذا التأثير في المجال الادبي .فشعراء وأدباء المهجر كانوا هم اول من تحرر الى حد بعيد من ربق الماضي وفتحوا مسارات جديدة في مجالات الأفكار الأساسية والمفردات والشكل . واجتذبت المدرسة الأدبية التي اسسوها اتباعا كثر من الوطن العربي!
ومع تزايد عدد الأشخاص الذين تثقفوا ثقافة غربية نشأت طبقة وسطى من القانونيين والأطباء والمعلمين والمهندسين والكتّاب.وقد دسوا انفسهم بين الطبقتين التقليديتين للمجتمع العربي. وتدريجيا شقت تلك الطبقة الوسطى طريقها الى الاعلى الى مراكز قيادية ومراكز التأثير. وقد اجبرت أعضاء من الطبقة العليا التقليدية على الهبوط وبذا تحول التصلب في البنية الاجتماعية الى نشاط متحرك في مجال المال والسياسة. وهذه الطبقة هي التي امدت الدول العربية الحديثة بالحكام والقادة.
لكن تحطمتموجةالمدالتغريبيواسعة الانتشارعالمياعلى شواطئ البحر المتوسط الجنوبية والشرقية فقد ضاعت معظم المؤسسات السياسية والاقتصادية والمؤسسات التعليمية ولم ينج من موجة التغريب الا المؤسسات الدينية فحسب.
وقد حرضّ حماة الإسلام على مقاومة عملية التغريب الأوروبية. فلم يقبل أولئك الحماة عناصرالثقافة الأجنبيةخشية ان تقوّض بنية المجتمع بل تجريده من أصول الدين .والمكون الأول من مكونات الإسلام الثلاثة الذي انهارهوالدولة فهي اول من استسلمت للاكتساح الغربي لكن العقيدة الإسلامية كانت المكون الأخير حتى ان عرى دين الاسلام بدأت تنفك الواحدة بعد الأخرى. فأصبحت اركانالاسلام الخمسة : الصلوات الخمس المفروضة وصوم رمضان والزكاة والحج جميعها تضاربت بدرجات متفاوتةمع متطلبات المجتمع الحديث! فكان للعلمنةتأثير أكبر في الطقوس الدينية اكبر من التأثير في العقيدة فمن بين حطام الدين تنهض العقيدة سليمة متماسكة! فلم يُقْدِم أي مكفر حديث له مكانته على انيتحدى علنا وحدانية الله ونبوة محمد(ًصلى الله عليه وسلم- المترجم) وقدسية القران وخلود الروح و والبعث ولم يقل احد ان الله قد مات!
وأخيرا ليس بوسع المرء ان يقول إن هناك ثقافة عربية وثقافة غربية. فكل ما هناك هو الحضارة الإنسانية التي ينبع سيلها في الشرق الأدنى القديم ثم يجري غربا تصب فيه روافد من اليونان وروما و في وقت لاحق من اوروبا الغربية والولايات المتحدة ثم يعود السيل الى منبعه وبوسع العالًم ان ينظر بالعرفان الى إسهام العالم العربيالذى قدمه فيالماضي و أن يتطلع العالم بأمل الى اسهامات عربية جديدة في المستقبل!