عاقبة الظلم

mainThumb

05-12-2022 12:09 AM

ذات مساء في أواخر تشرين ثاني في أوائل العقد الخامس من القرن العشرين، اصطحبت أم ضاري ابنها في مساء جمعة الى بيت عمه ابي راكز. كان الجو باردا ولما وصلا البيت دخلا المضافة وهي غرفة واسعة من جلاميد الصخر والطين في وسطها نقرة للنار وفي اعلى الحيطان الأربعة يوجد نوافذ تهوية صغيرة يتدفق منها دخان الموقد
لقد اضفى دخان النار على الجدران لونا قاتما يميل الى الصفرة نتيجة إشعال النار المتكرر في الحفرة .
ثم دخل اليهما أبو راكز وهمّ بتناول دلة القهو ة الا ان ضاري هب وتناول الدلة وقدم القهوة لعمه ولوالدته!

سألهما أبو راكز عن حالهما وعن موسم فلاحة الأرض فقال راكز إنه يفلح قطعة ارض في مراح الغزلان محاذية لأرض ابي راكز ! قال أبو راكز وقد انفرجت أساريره: انا طالبك خدمة يا ابن اخي فقال ضاري : طلبك أمر يا عم ! قال أبو راكز : اريد أن تساعدني في فلاحة ارضي لأني نويت ازرعها قمحا هذا العام ،فهل تساعدني ! فقال ضاري : نعم يا عم ، غدا سأكمل فلاحة أرضنا وشرّفني غدا كي ترى شغلي !
دخلت ام راكز مرحبة بالضيفين!
وجلست بجانب أم ضاري: تحدثتا بصوت منخفض وبين الفينة والفينة تنظران الى ابي راكز ! فقال : "مالي اراكما في وساوس و وشاوش كأني بينكما رجل غريب ... شو الحكاية!"
أجابت ام راكز :" خير ان شاء الله... ام ضاري قاصدتك في طلب ! "
" ام ضاري تأمر امر ، طلباتها أوامر !"
قالت ام ضاري: "تسلم يا أخي انت جمل المحامل.... ومن يقصدك لا يخيب! انت كما ترى ابن اخيك قد كبر وآن الأوان ان نفرح بزواجه ، ولديه ميل الى ابنة عمه بنتك تمام فنرجو ان تتكرم وتوافق على الزواج!"
قال أبو راكز: " ابشري .انا موافق الخميس القادم نعلن الخطوبة " فنهض ضاري فرحا وقبل جبين عمه ابي راكز!
قال أبو راكز غدا:" سأذهب وارى شغلك في الأرض، فلم اذهب الى ارضي منذ نهاية الموسم الماضي "
قال ابو راكز: "انت أصبحت حمامة الدار وانت بمثابة أحد أبنائي كما قال المثل: " كون نسيب ولا تكون ابن عم! "
ثم أحضرت تمام الشاي وجلست بجانب أمها على استحياء ، سكبت كاسات الشاي وحملتها على صينية نحاسية وقدمت الشاي! عندما قدمت الشاي لضاري نظر اليها نظرة شزرا بازدراء .... لكنها ابتسمت ابتسامة ذعر.
قال ابوها : لا تخجلي يا بنيتي فضاري ابن عمك قد خطبك مني وانا وافقت ، فلم تعلق الفتاة بل بقيت صامتة تنظر خلسة الى ضاري!
رشف ضاري الشاي ثلاث رشفات طويلة بصوت خشن وفي نهاية كل رشفة كان يصدر صوتا " عحه!"
لقد شفط الشاي بثلاث شفطات واضعا الكباية على الأرض بقوة تكاد تكسرها!
اخذت تمام تبكي عندما غادر ضاري وامه المضافة راجية والديها الا يزوجانها من ضاري فأسلوبه في شرب الشاي يدل على انه غير مهذب !
وكلامه السوقي الفظ يشير الى انه ينظر الى الحياة نظرة مرعبة: يظن الحياة مجرد التهام للطعام والشراب"
قال أبوها "عندما تعيشين معه ،ستغيرين سلوكه ، فوراء كل عظيم امرأة "
قالت تمام :" المرأة العظيمة هي الأم وليس الزوجة ، فهي التي تنشئه تنشئة سليمة وترضعه لبن الحرية والكرامة والعزة ، وهي التي تشكل عقله واسلوبه في الحياة! "

في ضحى اليوم التالي امتطى أبو راكز حصانه وانطلق الى مراح الغزلان حيث يفلح ابن اخية ضاري الأرض
وعند وصوله الى أول ارضه شاهد ضاري في أرض أخيه وهو يحرث الأرض على بغلة تجر محراثا بدائيا . شاهد العجب هناك : لم يحرث كثيرا من الأرض وذلك لأن البغلة التي تجر المحراث كانت سقيمة ضعيفة البنية شموسا فكانت تحرن وتمتنع عن الحركة الا إذا انهال عليها ضاري بالمقرعة فتنتفض البغلة راكله رجليها مرات عديدة دفاعا عن نفسها .
ولما اقترب من ضاري ذعر أبو راكز لما شاهد من ظلم وحيف يوقعه الانسان اذا مات ضميره بالحيوان؛ فالبغلة هزيلة ناحلة الجسم في مؤخرة ظهرها "دبرة "تسيل دما وقيحا بفعل السياط التي تقع على ظهرها تحديدا الدبرة فكلما حرنت البغلة انهال عليها بالمقرعة التي فيها عقدة كبيرة صلبة فيتمزق جلد الدابة الملتهب وتسيل الدما ء والبغلة تركل كلتي رجليها في الهواء دفاعا عن نفسها!" وعندما تقفف تراها تهتز ترتجف ألما
إن استسلام البغلة لظلم ضاري رغم ما حل بها من هزال وألم دليل على أن الظالم يتمادى في ظلمه إن لم يجد ما يردعه ويوقفه عند حده! فضاري لم يرحم الدابة الخرساء التي ليس بوسعها ان تردعه وتوقفه عند حده، فتمادي في تعذيبها وضربها في المكان الذي يؤلمها ، فكل مرة يعذبها يصدر لها سحيج ضعيف و تركل رجليها الخلفيتين !
وان لم تتحرك الدابة كان يغمزها بمنساس في طرفه مسمار فولاذ مدبب فيسيل دم غزير من جراح البغلة !
صاح عمه :" توقف ما هذا الذي تفعل ! الا تخشى الله ! انت لا تفلح الأرض بل تعذب دابة خرساء لا تقدر ان تعبر عن الألم الذي تلحقه بها! الا تراها تنزف دما ! وكيف سيبارك لك الله في زرعك وانت ظالم !"
قال ضاري بعنجهية: " يا عم هذا الجنس من الحيوانات لا يجدي معه الا السياط القاسية ؛ فلا تأخذك بها لومة لائم وكما قال المثل الشعبي : وين ما شفت الأعمى طُبَه ما انت اشفق من ربه" وضحك ضحكة شيطانة مجبولة بحقد يصعب تفسيره!
ودع أبو راكز ابن أخيه ونصحه ان يكف عن تعذيب تلك الدابة المسكينة مذكرا بعذاب الله للظالمين
( ....ولو يَرَى الذين ظلموا إذ يَرَون العذاب أنّ القوة لله جميعا وأن َّ الله شديد العذاب)
وفي طريق العودة كان طيف ضاري منهالا على الدابة المسكينة في مخيلته. فعزم على ان لا يزوجه ابنته تمام! فمعاملته لتلك الدابة مؤشر على سوء خلقه ! فاذا كان لا يخاف الله في الدابة التي سخرها الله له وتمكنه من فلاحة أرض وتحمل اثقاله الى مسافات يعجز عن حملها اليها ! تلك المعاملة تعكس حياة ابنته مع ذاك الظالم الذي طبعه الظلم والجلافة!
توصل في قرارة نفسه ان ضاري لا يقل عن الضواري شراسة وسوء خلق .... قال لا... لا لن ادعها تتزوجه ، فإن زواجها منه لظلم عظيم !
وفي المساء نادى أبو راكز زوجته وابنته تمام واخبرهما انه قد عدل عن تزويج تمام من ضاري وبرر ذلك ان ضاري ليس لديه ذرة من رحمة فهو عتل معند زنيم فالذي يعامل الدابة بأقصى أنواع التعذيب غير جدير ان يشارك امرأة الحياة ..
تنفست تمام الصعداء وتهلل وجهها فرحا إذ استجاب الله لدعواتها فقد أمضت الليل ساهرة تصلي لله أن يصرفه عنها.
في ضحى اليوم التالي: اخبرت ام راكز سلفتها ام ضاري أن تنسى موضوع الزواج دون ابداء الأسباب!
صدم ضاري عند سماعه ان عمه عدل عن تزويجه من تمام ، وذهب غاضبا الى بيت عمه هادرا كالبحر الهائج :
خرج البه ابنيّ عمه اللذان يصغرانه سنا فاستهان بهما . صاح بصوت عال : اخرج اليّ يا لعين ....
وجّه أصغرهما لكمة على فمه فتدفق الدم من فمه فأخرسه , وانهال عليه الشابان ضربا في مختلف انحاء جسمه باستخدام "قنوتي" شجر سويد .... عاد الى امه يجرجر قدميه والدماء قد غطت رأسه فقد أصيب ثلاثة جروح قطعية في راسه.
قال لأمه: انا لا أريد الزواج..... لا اريد الزواج ، ورحل عن القرية الى الابد