الأحزاب الأردنية بين تعثر التجربة وضياع البوصلة

الأحزاب الأردنية بين تعثر التجربة وضياع البوصلة

12-02-2026 09:39 PM

لم تعد التجربة الحزبية في الأردن بحاجة إلى توصيفٍ مجامل أو قراءةٍ مخففة؛ فهي تعاني اليوم من ممارسات لا تليق بالعمل الحزبي، وتُرسّخ السلطوية داخل التنظيمات بدل أن تهدمها، وتغذّي ظاهرة الانشقاقات الحزبية والصراعات الداخلية بدل أن تنتج تماسكًا وبرامجًا ومؤسسية. وفي لحظة يفترض أن تكون عنوانها الأبرز “التحديث السياسي”، نجد أنفسنا أمام مشهد حزبي مرتبك: خلافات تُدار بمنطق الغلبة لا الحوار، قيادات تتصرف بعقلية الإقصاء لا المشاركة، وأحزاب تُستنزف في نزاعاتها الداخلية قبل أن تصل إلى المجتمع وتخاطبه. من هنا يصبح السؤال ملحًا: كيف يمكن لحياة حزبية مأزومة في داخلها أن تقود تحديثًا سياسيًا في خارجها؟
وفي الأردن، ونحن نعيش مرحلة عنوانها الأبرز "التحديث السياسي"، تبدو التجربة الحزبية في مأزق حقيقي، بل في حالة تعثر وفشل يستدعي وقفة مراجعة عميقة. لقد أُريد للأحزاب أن تكون رافعة الإصلاح، فإذا بها تتحول – في كثير من الأحيان – إلى عبء عليه. وأُريد لها أن تكون مدارس في الديمقراطية، فإذا بها تعاني من غيابها في داخلها قبل خارجها.
إن أبرز مظاهر هذا التعثر يتمثل في طغيان الشخصنة على العمل الحزبي. فالحزب في كثير من الحالات لم يعد مؤسسة، بل صار امتدادًا لشخص، أو رهينة لمجموعة ضيقة تدور في فلكه. تغيب المؤسسية، وتضعف اللوائح الداخلية، وتُهمّش الهياكل التنظيمية، لتسود النزعة الفردية على حساب القرار الجماعي. وحين يُختزل الحزب في شخص، يغدو مصيره مرتبطًا بمزاجه وطموحه، لا ببرنامجه ورؤيته.
أما الديمقراطية الداخلية، التي يفترض أن تكون حجر الزاوية في أي تجربة حزبية محترمة، فقد أصبحت شعارًا أكثر منها ممارسة. الانتخابات الداخلية شكلية في أحيان كثيرة، والمواقع القيادية تُدار بمنطق الترضيات أو الولاءات، لا بمنطق الكفاءة والاستحقاق. وحين تغيب الديمقراطية داخل الحزب، فكيف له أن يدافع عنها في الدولة؟
يضاف إلى ذلك ضعف البرامج السياسية. فكثير من الأحزاب لا تملك رؤية اقتصادية واضحة، ولا تصورًا اجتماعيًا متكاملًا، ولا مشروعًا فكريًا محدد المعالم. البيانات عامة، والشعارات فضفاضة، والخطاب أقرب إلى الإنشاء منه إلى التخطيط. وهنا تبرز إشكالية ما يسمى بـ"الأحزاب الوسطية"، التي باتت – في توصيف صريح – أحزابًا بلا لون أو طعم أو رائحة؛ لا تعرف موقعها الأيديولوجي، ولا تميز نفسها ببرنامج نوعي، ولا تملك جرأة الطرح أو وضوح الموقف.
ولعل المقارنة مع التجربة الحزبية الأردنية في العشرينات والثلاثينات والخمسينات تكشف حجم التراجع. ففي تلك المراحل، رغم قلة الإمكانات وتعقيد الظروف، كانت الأحزاب تحمل أفكارًا واضحة وأيديولوجيات محددة، وكان لها تقاليد تنظيمية راسخة وبرامج سياسية تعبر عن تيارات فكرية حقيقية. كان الانتماء الحزبي آنذاك خيارًا فكريًا، لا مجرد مظلة انتخابية أو وسيلة وجاهة اجتماعية.
اليوم، نفتقد تلك التقاليد. نفتقد ثقافة العمل الجماعي، والانضباط التنظيمي، والالتزام بالخط السياسي المعلن. وتغلب الحسابات الشخصية على الاعتبارات الوطنية، فيتحول الحزب إلى منصة موسمية، تنشط قبيل الانتخابات وتخفت بعدها.
إن مسؤولية هذا الواقع لا تقع على الأحزاب وحدها، بل هي نتاج منظومة قانونية وسياسية تحتاج إلى مراجعة جادة. فقانون الأحزاب، بصيغته الحالية، لم ينجح في تكريس حياة حزبية مؤسسية مستدامة، كما أن قانون الانتخاب لا يزال بحاجة إلى تعديلات أعمق تعزز العمل البرامجي وتدفع باتجاه التكتلات الوطنية العابرة للمصالح الضيقة.
إن المطلوب اليوم ليس مجرد زيادة عدد الأحزاب، بل تحسين نوعيتها. المطلوب تعديل قانون الأحزاب بما يرسخ الممارسات الديمقراطية الداخلية، ويُلزم بالشفافية والمساءلة، ويعزز المؤسسية لا الشخصنة. والمطلوب كذلك تطوير قانون الانتخاب بحيث يشجع على التنافس البرامجي الحقيقي، ويمنح الأحزاب الجادة فرصة التمثيل العادل، ويحد من النزعات الفردية التي تضعف العمل الجماعي.
التحديث السياسي ليس عنوانًا للاستهلاك الإعلامي، بل مشروع دولة. ولا يمكن أن ينجح هذا المشروع بأحزاب هشة، أو برامج باهتة، أو قيادات تؤمن بالديمقراطية نظريًا وتمارس الإقصاء عمليًا. إن الإصلاح الحقيقي يبدأ من داخل الأحزاب، من ثقافة أعضائها، ومن قدرتها على التحول إلى مؤسسات حية تعبر عن المجتمع لا عن أشخاص.
لقد قلت هذا الكلام منذ مدة طويلة ، وربما لم يرق للبعض، لكن زمار الحي لا يطرب. ومع ذلك، فإن الأمل باقٍ. فالأردن يمتلك من الوعي السياسي والخبرة التاريخية ما يؤهله لتصويب المسار. ويبقى السؤال: هل نملك الشجاعة لإجراء المراجعة المطلوبة، أم سنكتفي بشعارات التحديث دون أدواته؟
إن اللحظة تستدعي الصراحة، لأن مستقبل التجربة الحزبية ليس شأنًا تنظيميًا فحسب، بل ركيزة من ركائز الدولة الحديثة التي ننشدها.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

لقاء أردني - عراقي يبحث تطوير العلاقات الثنائية

ضبط شخص روج لبيع طيور مهددة بالانقراض عبر مواقع التواصل

ترامب: اتفاق مع إيران خلال شهر .. وإلا سيكون الوضع صعبا جدا

مجلس الأمن يناقش الوضع في اليمن

انتخاب محمد البستنجي رئيسًا لهيئة مستثمري المناطق الحرة الأردنية

الغذاء والدواء: اشتراطات صارمة لضمان سلامة الطرود الرمضانية

الحنيطي يستقبل مساعد نائب رئيس هيئة أركان الدفاع الكندي

مديونية الأفراد: قراءة نفسية اجتماعية

مندوبا عن الملك وولي العهد… العيسوي يعزي عشيرة العمرو

اللقاء السابع بين نتنياهو وترامب .. لحظة مفصلية.

الأحزاب الأردنية بين تعثر التجربة وضياع البوصلة

استقالات جماعية في اتحاد المنتجين الأردنيين بسبب إجراءات انتخابية مثيرة للجدل

مبيضين: القرارات الإسرائيلية تُحدث تحولا خطيرا في الواقع القانوني بالضفة

استدعاء 16 لاعبًا لمنتخب السلة استعداداً لمونديال 2027

نتنياهو: أعتقد أن شروط ترامب تتيح التوصل إلى اتفاق جيد مع إيران