مديونية الأفراد: قراءة نفسية اجتماعية

مديونية الأفراد: قراءة نفسية اجتماعية

12-02-2026 09:42 PM

في العقود الأخيرة، تحوّل الدين الشخصي من كونه أداة مالية تُستخدم في ظروف استثنائية إلى عنصر بنيوي في الحياة اليومية. ففي العديد من المجتمعات، ومنها الأردن، لم يعد الاقتراض يقتصر على شراء منزل أو تمويل التعليم، بل أصبح جزءًا من الاستراتيجيات المالية للأسر، من خلال القروض الشخصية وخطط التقسيط والائتمان الاستهلاكي. وبينما يميل الاقتصاديون إلى تحليل الدين من خلال مؤشرات النمو والسيولة والتوسع الائتماني، يتيح لنا علم النفس الاجتماعي النظر إلى ما هو أعمق من ذلك. فالدين ليس مجرد التزام تعاقدي بين مُقترض ومُقرض؛ بل هو حالة نفسية، ووضع اجتماعي، وغالبًا عبء عاطفي يؤثر في الهوية والعلاقات وأنماط اتخاذ القرار.
في الأردن، يعكس حجم الاقتراض الفردي أهمية هذه الظاهرة. تشير بيانات صادرة عن البنك المركزي الأردني ومصادر مالية وطنية إلى أن إجمالي مديونية الأفراد في القطاع المصرفي قد اقترب في السنوات الأخيرة من نحو 14 مليار دينار أردني. وتمثل القروض الشخصية عدة مليارات من هذا الإجمالي، إلى جانب القروض السكنية وأنواع أخرى من التسهيلات الائتمانية. ورغم أن حجم القروض الشخصية الجديدة شهد تذبذبًا في بعض الفترات مقارنة بسنوات سابقة، فإن الرصيد الإجمالي لمديونية الأسر ما يزال مرتفعًا. كما استمرت التسهيلات الائتمانية عمومًا في تسجيل نمو معتدل، ما يعكس استمرار اعتماد العديد من الأسر على الاقتراض. وهذه الأرقام تؤكد أن المديونية ليست ظاهرة هامشية، بل سمة أساسية من سمات الواقع المالي المعاصر لكثير من الأسر الأردنية.
من منظور علم النفس الاجتماعي، ينبغي فهم الدين بوصفه حالة مادية ورمزية في آنٍ معًا. فالالتزامات المالية تحمل وزنًا عاطفيًا لأنها ترتبط بقضايا إنسانية جوهرية مثل الأمان والاستقلالية والكرامة والمكانة الاجتماعية. وقد أظهرت أبحاث متعددة في مجتمعات مختلفة وجود علاقة وثيقة بين الدين الشخصي والضيق النفسي. فالأفراد الذين يعانون من مستويات مرتفعة من الديون غير المضمونة يُظهرون معدلات أعلى من القلق وأعراض الاكتئاب واضطرابات النوم والتوتر المزمن. والمهم أن حجم الدين الموضوعي ليس العامل الوحيد المحدد للضيق النفسي؛ بل إن الإدراك الذاتي للضغط المالي يلعب دورًا محوريًا. فقد يختلف شعور شخصين لديهما مستوى متقارب من الديون تبعًا لاستقرار دخلهما ومواردهما وقدرتهما على التكيف وشبكات الدعم الاجتماعي المتاحة لهما.
أحد الآليات التي تفسر هذه العلاقة هو الضغط المالي المزمن. فالتزامات السداد الشهرية، وتراكم الفوائد، والخوف من التعثر، تفرض عبئًا إدراكيًا مستمرًا. وقد بينت أبحاث في علم النفس السلوكي أن الشعور بالندرة المالية يضيّق نطاق الانتباه ويستنزف الموارد الذهنية، بحيث يتركز التفكير على الاحتياجات العاجلة على حساب التخطيط بعيد المدى. هذا “التضييق الإدراكي” قد يضعف جودة القرارات ويزيد من الميل إلى الحلول قصيرة الأجل التي قد تؤدي إلى تعميق المشكلة على المدى البعيد. وهكذا لا يكون الدين مجرد نتيجة للضغوط الاقتصادية، بل قد يصبح عاملًا يعزز دوائر من التفكير المقيد وردود الفعل الانفعالية.
كما يرتبط الدين بإدراك التهديد. إذ تشير الدراسات النفسية إلى أن التوتر يشتد عندما يُنظر إلى الوضع باعتباره مهمًا وصعب السيطرة في الوقت نفسه. وبالنسبة لكثير من المقترضين، لا سيما في ظل عدم استقرار الوظائف أو ارتفاع تكاليف المعيشة، تبدو التزامات السداد ثابتة لا يمكن تجنبها، بينما يظل الدخل عرضة للتقلب. هذا الاختلال بين الالتزام والقدرة المتصورة على المواجهة يفاقم الاستجابة الضاغطة. ومع استمرار هذه الحالة، قد لا يقتصر الأثر على الصحة النفسية فحسب، بل يمتد إلى الصحة الجسدية أيضًا، من خلال زيادة مخاطر الأمراض المرتبطة بالتوتر المزمن.
ولا يتوقف العبء العاطفي للدين عند الفرد، بل يمتد إلى النظام الأسري. فالضغوط المالية من أكثر أسباب الخلافات الزوجية شيوعًا. وفي الأسر ذات الموارد المحدودة، قد تتصاعد الخلافات حول أولويات الإنفاق وترتيبات السداد وتحمل المسؤوليات المالية. كما قد يعيد الدين تشكيل علاقات القوة داخل الأسرة؛ إذ يشعر المعيل الأساسي بضغط مضاعف، بينما قد يعاني بقية الأفراد من مشاعر الذنب أو الاعتمادية أو التوتر. والأطفال الذين ينشؤون في بيئات مثقلة بالديون قد يكتسبون مواقف متوترة تجاه المال والمخاطرة، ما ينعكس على سلوكهم المالي مستقبلًا.
تلعب الانحيازات السلوكية دورًا مهمًا في قرارات الاقتراض. فخلافًا لافتراضات النظرية الاقتصادية التقليدية التي تفترض عقلانية كاملة في اتخاذ القرار، تُظهر البحوث أن الأفراد يتأثرون بانحيازات معرفية متعددة. من أبرزها تحيز الحاضر، أي الميل إلى تفضيل المكاسب الفورية على التكاليف المستقبلية. فقد تبدو الفائدة الآنية من الحصول على قرض, سواء لتغطية حاجة ملحة أو لتحسين مستوى المعيشة, أكثر إلحاحًا من عبء السداد المستقبلي. كما يسهم التفاؤل المفرط في التقليل من تقدير المخاطر، إذ قد يبالغ بعض الأفراد في توقع تحسن دخولهم مستقبلًا، فيقبلون التزامات تفوق قدرتهم الواقعية.
وتعزز بنية أنظمة الإقراض الحديثة بعض هذه الانحيازات. فحين تُوزع المدفوعات على فترات طويلة، وتُدرج الفوائد في عقود معقدة، يقل الإحساس الفوري بـ“ألم الدفع”. كما تسهم المعاملات الرقمية والاقتطاعات التلقائية في إبعاد التجربة العاطفية المرتبطة بخروج المال. ونتيجة لذلك، قد تبدو قرارات الاقتراض أقل خطورة في لحظتها، بينما يتكشف عبؤها الحقيقي لاحقًا عند تراكم الالتزامات.
وتتأثر تجربة الدين أيضًا بالمعايير الاجتماعية والثقافية. ففي بعض السياقات يُنظر إلى الاقتراض باعتباره أداة عملية لتحقيق أهداف مشروعة، بينما يرتبط في سياقات أخرى بوصمة أخلاقية. وتنقل الأسر والمجتمعات هذه المواقف عبر التنشئة الاجتماعية. فالأفراد الذين ينشؤون في بيئات تطبع الاقتراض بطابع طبيعي قد يتعاملون معه كمرحلة متوقعة في مسار الحياة، خاصة في ما يتعلق بالسكن أو التعليم. أما الذين تربوا في بيئات تعتبر الدين مصدرًا للعار، فقد يعانون من شعور قوي بالخجل ويُحجمون عن طلب المساعدة عند مواجهة صعوبات مالية.
وتزيد الفوارق الاجتماعية والاقتصادية من تعقيد الصورة. فالأسر ذات الدخل المنخفض أكثر عرضة للاعتماد على الاستدانه لتغطية تقلبات الدخل، لكنها في الوقت ذاته أقل قدرة على امتصاص الصدمات المالية. وتشير الأبحاث إلى أن الأفراد في الشرائح الاجتماعية الدنيا يتوقعون صعوبة أكبر في السداد ويختبرون مستويات أعلى من التوتر المرتبط بالدين. وفي سياقات اقتصادية تتسم بفرص عمل محدودة ونمو بطيء للأجور، قد يتحول الدين من أداة للترقي الاجتماعي إلى وسيلة للبقاء، مما يغير معناه النفسي من فرصة إلى هشاشة.
في البيئة الاقتصادية الأردنية الحالية، حيث تتداخل ضغوط التضخم مع تحديات البطالة، قد يتعاظم العبء النفسي للدين. فكثير من الأسر تلجأ إلى الاقتراض لسد الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة. ورغم أن الاستدانه قد توفر استقرارًا مؤقتًا، فإن استنزاف نسبة كبيرة من الدخل في السداد قد يخلق هشاشة طويلة الأمد. كما أن إدراك الأفراد لعدم اليقين الاقتصادي يضعف شعورهم بالسيطرة، ما يزيد من قلقهم حيال قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم المستقبلية.
ومع ذلك، من المهم التأكيد أن الدين ليس سلبيًا بطبيعته. ففي حالات عديدة، يمكّن الاقتراض من امتلاك مسكن، أو متابعة التعليم، أو إطلاق مشروع، بما يفتح آفاقًا للتقدم الاجتماعي. ويتحدد أثره النفسي تبعًا لغايته وبنيته وقابليته للإدارة. فالقروض المرتبطة بأصول مستدامة قد تُختبر نفسيًا بصورة مختلفة عن الديون الاستهلاكية مرتفعة التكلفة. وعندما تكون شروط السداد واضحة ومتوافقة مع دخل مستقر، قد يشعر المقترض بدرجة من السيطرة والتمكين بدلًا من التهديد.
إن فهم الدين من هذا المنظور يترتب عليه دلالات مهمة. فبرامج التثقيف المالي التي تعالج الجوانب المعرفية والسلوكية معًا يمكن أن تساعد الأفراد على إدراك انحيازاتهم واتخاذ قرارات أكثر وعيًا. كما أن دمج الاستشارات المالية بالدعم النفسي قد يخفف من الأثر الضاغط للمديونية. وعلى مستوى السياسات، فإن تعزيز الشفافية في الإقراض وتطبيق معايير تقييم مسؤولة وحماية المستهلك تسهم في تقليل المخاطر المرتبطة بالاقتراض المفرط.
في نهاية المطاف، يعكس الدين البنى الاجتماعية الأوسع: توزيع الدخل، واستقرار سوق العمل، والقيم الثقافية، والأطر المؤسسية. وفي الأردن، يشير الحجم الكبير لمديونية الأفراد إلى مزيج من المشاركة الاقتصادية والهشاشة المالية في آن واحد. والتعامل مع الدين بوصفه رقمًا مجردًا يغفل أبعاده الإنسانية. فخلف كل عقد قرض يقف فرد يسعى إلى تحقيق طموحاته أو مواجهة ضغوطه أو تأمين مستقبله.
إن مقاربة علم النفس الاجتماعي تذكرنا بأن الأنظمة المالية تُعاش يوميًا في وجدان الناس. فالدين يؤثر في طريقة تفكيرهم ومشاعرهم وعلاقاتهم وتصورهم للمستقبل. وقد يكون بابًا للفرص أو مصدرًا للقلق، أداة للتمكين أو عاملًا للضغط. والاعتراف بهذه الازدواجية يتيح نقاشًا أكثر توازنًا وإنسانية حول الاقتراض، خاصة في أوقات التحديات الاقتصادية، حيث يصبح الحفاظ على الاستقرار المالي والنفسي معًا هدفًا لا غنى عنه لأي مجتمع.
أمين محمد غوانمه
ghawanmehameen@gmail.com



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

لقاء أردني - عراقي يبحث تطوير العلاقات الثنائية

ضبط شخص روج لبيع طيور مهددة بالانقراض عبر مواقع التواصل

ترامب: اتفاق مع إيران خلال شهر .. وإلا سيكون الوضع صعبا جدا

مجلس الأمن يناقش الوضع في اليمن

انتخاب محمد البستنجي رئيسًا لهيئة مستثمري المناطق الحرة الأردنية

الغذاء والدواء: اشتراطات صارمة لضمان سلامة الطرود الرمضانية

الحنيطي يستقبل مساعد نائب رئيس هيئة أركان الدفاع الكندي

مديونية الأفراد: قراءة نفسية اجتماعية

مندوبا عن الملك وولي العهد… العيسوي يعزي عشيرة العمرو

اللقاء السابع بين نتنياهو وترامب .. لحظة مفصلية.

الأحزاب الأردنية بين تعثر التجربة وضياع البوصلة

استقالات جماعية في اتحاد المنتجين الأردنيين بسبب إجراءات انتخابية مثيرة للجدل

مبيضين: القرارات الإسرائيلية تُحدث تحولا خطيرا في الواقع القانوني بالضفة

استدعاء 16 لاعبًا لمنتخب السلة استعداداً لمونديال 2027

نتنياهو: أعتقد أن شروط ترامب تتيح التوصل إلى اتفاق جيد مع إيران