التزاوج بين الحكام والكهنة

التزاوج بين الحكام والكهنة

13-02-2023 09:45 AM

عندما اطلعت الشعوب الأوروبية على طبيعة حياة العرب في الأندلس، وخاصة الحياة الدينية، أخذ الكثير من المسيحيين يتحركون مطالبين بنفس ما يتميز به المسلمون من إمكانية التواصل مباشرة مع الله دون وسيط، بمعنى أنهم احتجوا على وجود رجال الدين المتحالفين مع السلطة الحاكمة لإذلال الشعب وامتهانه. ومع تعمق التواصل بين الأوروبيين والعرب في الأندلس، تطور الأمر على مدى قرون إلى أن قامت الثورة الفرنسية ورفعت شعار: "اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسّ".
وبعد نجاح الثورة الفرنسية في الانقلاب على الوضع الخاطئ الذي كان سائداً، لم يحاولوا تقليد مسلمي الأندلس حضارياً بل نظروا إلى الجانب المادي وأخذوه مجرداً، ولم يستطيعوا أن يختاروا مساراً صحيحاً ينهض بهم سياسياً واجتماعياً (حضارياً) ويبني دولة توازن بين المادة والروح، فبدل تصحيح الوضع السائد الذي ثاروا عليه، تخلصوا تماماً من الدين - باستثناء بعض المظاهر التي لا تؤثر في المجتمع- وفصلوه عن الحياة ووصلوا إلى الحرية المطلقة بدون ضوابط، فوصلوا إلى ماهم عليه الآن من تخبط وضياع لانسانيتهم وحياتهم الأسرية وعلاقاتهم الطبيعية.

في عنفوان الدولة الحديثة المتحررة التي بنوها، ومحاولتها اكتشاف العالم، سيطر الغرب على شعوب كثيرة خارج حدودها واستولت على موارد الشعوب لتغذية ثورتها الصناعية المادية، وحتى تستمر سيطرتها، رأت أن تعيد الشعوب المغلوبة إلى الأمر الذي رفضته هي في طبيعة الدولة التي ثارت عليها والمتمثلة بالتزاوج بين الحكم الدنيوي "الملوك" وبين الحكم الديني "رجال الدين"، والذي كان يدفع ثمنه عامة الشعب وصار عبئاً ثقيلاً عليهم لم يستطيعوا الاستمرار في تحمله، وكان تركيز تطبيقه على مستعمراتهم في العالم العربي والاسلامي، فحاولوا إعادة هذا التزاوج بين الحكام والكهنة مع الاختلاف الواضح بين الديانتين، لتبقى هذه البلاد تغوص في عصور الظلام التي عانوا منها هم، وأخرتهم قروناً طويلة عن التقدم.
لذلك لا تجد حاكماً من صنيعة الاستعمار الغربي إلا وعزف على وتر الدين، وقرّب جماعات بعينها، بل لم تترك له دول الاستعمار الخيار فقامت بصنع التيار الديني الذي يتحالف معه، ليقود ثورة التخلف والانحطاط جنباً إلى جنب مع السلطة المصنوعة في نفس المصنع الغربي.
لكن لخصوصية الإسلام لم يكن الأمر سهلاً، فمن جهة أن التيار الكهنوتي الذي تحالف مع الحكم ضد الشعوب ليس كبيراً، ومن جهة أخرى أن غالبية علماء المسلمين لم يقروا هذا التزاوج على الطريقة الغربية، وكذلك الشعوب تعرف بنسبة ليست بالبسيطة أن الدين لا يوافق على هذه الممارسات، لأن قواعد الإسلام في هذا الشأن واضحة لا يختلف عليها اثنان، عدا عن أن هذا التزاوج ضار بكيان الدول_ أقصد تسخير الدين لخدمة السلطة_ والذي سيؤدي إلى انهيار الكيان السياسي كاملاً بشقيه الديني والدنيوي المصنوعان في الغرب.

ما يجب فعله، هو كسر هذا الترابط المشوه بين رجال الحكم والتيارات الدينية المتعاونة معه، والتي تسعى لإخضاع الشعوب للتبعية والامتهان والاستحواذ على حقوقها ورهنها للتخلف والضياع، وهذا يتطلب وعياً تاماً بالدين الصحيح والسياسة الحكيمة،.. إذا حدث هذا، سيخنق كلا المتحالفَين صاحبه، وتتحطم التبعية الغربية..
الصمت الواسع من التيار الديني عن حقوق الناس والسماح للحكم بالتغول عليهم، ليس خوفاً بل تقريراً لطبيعة النشأة الاستعمارية التي زاوجت بين الحكم الجبري، والتيار الديني الكهنوتي، وهذا التزواج لا يمكن أبطاله إلا بفعل ما فعلته الثورة الفرنسية..


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

إطلاق مشروع إعلامي لتمكين "ذوي الإعاقة" رقميا

ترامب يحذر: إجراءات صارمة قد تطال البنية التحتية في إيران حال رفض الصفقة

150 مستوطنا إسرائيليا يقتحمون المسجد الأقصى بحماية الشرطة

ختام فعاليات الجلسات التحضيرية لبرنامج “صوتك” في بيت شباب عمّان

رئيسُ جمهوريّة فنلندا يزورُ الجامعة الأردنيّة ويحاضر حول التحوّلات العالميّة

زين تطلق منصّة "منّا وفينا" لتعكس قيم العالم الجميل

إطلاق مشروع التجارة الرقمية الإقليمي يعزز تنافسية الاقتصاد الأردني

الأمن العام تطلق الدورة الثانية من الشرطي الصغير

بورصة عمان تغلق تداولاتها على ارتفاع

إيران ستستأنف الرحلات الدولية من مطار مشهد الاثنين

الأردن والعراق يبحثان رفع التنسيق العسكري ومكافحة الإرهاب والمخدرات

زراعة الأغوار الشمالية تدعو المزارعين إلى شراء الأسمدة من مصادر مرخصة

أكثر من 23 ألف حالة اعتقال في الضفة الغربية منذ العدوان على غزة

الأردن وسوريا يطلقان مشروعا استراتيجيا لتحديث الدراسة الهيدروسياسية لنهر اليرموك

مجلس النواب يقر اتفاقية أبو خشيبة