أرغفة الحرب .. و«ديمقراطية» الخبز

أرغفة الحرب .. و«ديمقراطية» الخبز

31-07-2023 09:28 AM

منذ أن بدأت الحروب تغزو العالم في عصور سالفة، كان الغذاء هو الرفيق المزمن للمحاربين، وسلاحهم الأخير الذي لا يمكن الاستغناء عنه في الانتصارات أو الهزائم.

أمامنا الآن حرب روسيا وأوكرانيا، والاتهامات المتبادلة حول ممرات الحبوب وقصف المخازن والجسور لأهداف عسكرية. وفي السودان، حيث حرب الجنرالين، بلغت المجاعة والعطش حدّ الموت بين اللاجئين والهاربين السودانيين، ووصلت التراجيديا إلى أن يموت موسيقار سوداني من الجوع. وذكر بيان مشترك صادر عن 11 منظمة إغاثة دولية، أن هناك 27 مليون شخص يعانون الجوع في منطقة غرب أفريقيا، وقد يرتفع الرقم إلى 38 مليون نسمة بسبب الحرب الروسية– الأوكرانية. وهذا يعني ارتفاعاً غير مسبوق في عدد البشر الذين يعانون من نقص المواد الغذائية.

ولم تتردد صحيفة «نيويورك تايمز» من تحذير العالم من تفشي المجاعة والفقر والوفيات، بعد تفاقم المجاعة العالمية ربما لسنوات قادمة. وقال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إن الحرب أدت إلى انعدام الأمن الغذائي في الدول الفقيرة، ليس بسبب انقطاع الإمدادات من مواني أوكرانيا فقط؛ بل لارتفاع الأسعار أيضاً.

قبل الحرب، كانت أكثر من 10 دول تستورد القمح من أوكرانيا، في مقدمتها مصر، ثم إندونيسيا وبنغلاديش وتركيا واليمن والفلبين والمغرب وتونس وإثيوبيا والأردن ولبنان. طبعاً كل هذه الدول تأثرت اقتصادياً وإنسانياً بانقطاع الصادرات الغذائية الأوكرانية. أما الولايات المتحدة التي دعمت أوكرانيا بأسلحة متطورة لردع روسيا، فلم ترسل إلى هذه الدول المتضررة رغيفاً واحداً. ولم يقل الرئيس الأميركي بايدن كلمة واحدة عن ضحايا هذه الحرب الشنيعة في كل القارات. فهي لم تُشن ضد دولة واحدة فقط؛ لكن تبعاتها أضرّت بملايين البشر، وخصوصاً الأطفال وكبار السن، ومع ذلك لا تلوح في الأفق نهاية للقصف والانفجارات والدمار. والقلق الأساسي يتعلق بشعب أوكرانيا الذي نزح إلى الدول المجاورة ولا يجد ما يكفي من طعام.

وتعاني قطاعات صناعية من أن دول الاتحاد الأوروبي تواجه نقصاً شديداً في زيت عباد الشمس-مثلاً- لأن كييف كانت تصدِّر نصف احتياجات العالم، وتصدر موسكو نحو 30 في المائة أخرى. وبلغة الأرقام فإن منظمة التجارة العالمية أعلنت أن 35 دولة في أفريقيا تستورد القمح من روسيا وأوكرانيا، و22 دولة تستورد الأسمدة بين 20 و50 في المائة في كثير من الدول الفقيرة.

أتذكر أن النظام العراقي خلال الحرب العراقية- الإيرانية في الثمانينات من القرن الماضي، كان يوزع أكياساً من الدقيق الفاخر على كل البيوت شهرياً، وبكميات تكفي أفراد كل عائلة في خبز الأرغفة «الحربية»، ويشمل التوزيع جميع المحافظات العربية والكردية. والدقيق نفسه يوزع على القطاعات العسكرية في الجبهات والأسرى الإيرانيين، ويطلق الجيش العراقي تسمية «أرغفة العسكر» على هذا الإنتاج. وفي جبهات الحرب -وقد زرتها مراراً بوصفي مراسلاً حربياً- لا تعرف ما هي وجبتك التالية، أو هل ستعيش لتتناولها.

أما بعد انتهاء الحرب، فقد أطلق الشعب العراقي على الأرغفة تسمية «خبز السلام»، وهي تسمية استخدمتها مجلة «فورين بوليسي» الأميركية، ودخلت قواميس الحروب والسلام.

لكن هذه الأرغفة وجدت طريقها بسهولة إلى المظاهرات الشعبية في بعض الأقطار العربية، تحت تسمية فريدة هي: «خبز الديمقراطية».

وفي السودان الشقيق -مثلاً– لا تجد خبزاً ديمقراطياً تُسلم معدتك الخاوية إليه هذه الأيام. ليس أمامك إلا «خبز الجنرالين» إن وُجد، تتقاسمه مع أفراد أسرتك طوال المسيرة على الأقدام، أو تموت من الجوع. هذا هو التفسير الحقيقي لترجمة «الخبز الديمقراطي» من الآن إلى أن يعود السلام الهارب إلى «سلة أغذية العرب» كما قرأنا في كتب الجغرافيا عن السودان والنيل الأزرق.

تقول الثقافة العربية: «إن الخبز هو الأساس؛ إذا لم تكن تملكه فأنت لا تملك شيئاً». وقد سمعنا وشاهدنا انتفاضات الخبز قبل عقود، في مصر وتونس والجزائر والأردن ولبنان وسوريا واليمن، وفي العراق احتجاجاً على البطالة.

باختصار، يرى كثيرون من المتخصصين أن الفقر شبه مرادف للجوع؛ بعد أن وصل الرقم إلى أكثر من مليار شخص جائع في العالم. هل هناك فعلاً أكثر من مليار شخص يذهبون إلى النوم كل مساء جائعين؟ وليس هؤلاء في القرى فقط، وإنما في الأحياء الفقيرة والمكتظة في المدن في مختلف دول العالم أيضاً. وهذا الرقم الرهيب من منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة. وهو حصيلة أبحاث من كينيا إلى تايلاند، ومن إندونيسيا إلى الهند. لكن الرقم نفسه قابل للشطب؛ لأن كثيراً من الفقراء قادرون على الخروج من «مصيدة الفقر»، فالفقر ليس من «الأمراض المزمنة» التي تحتاج إلى «مساعدات ميتة» أو «صدقات»؛ فهي تؤذي أكثر مما تنفع.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

بدعم تركي .. مبتورو غزة يتمسكون بالحياة عبر كرة القدم

أوقاف المفرق تبدأ المرحلة الثالثة من ربط الأذان الموحد

الطب الشرعي والتحقيقات ينفيان ادعاء مواطن بتعرضه للضرب أثناء التفتيش

روسيا: إسقاط 112 طائرة مسيرة أوكرانية خلال 12 ساعة

الملك يعود إلى أرض الوطن بعد زيارة إلى المملكة المتحدة

تراجع حماس جماهير بشكتاش لضم محمد صلاح

افتتاح دورة الصيدلة التجميلية في الكلية الجامعية العربية للتكنولوجيا

تنقلات وتعيينات في مديرية الأمن العام .. أسماء

ندوة في نقابة الصحفيين بالزرقاء تستعرض العلاقات الأردنية الإيرانية

ضبط اعتداء على شبكة المياه في الأغوار الشمالية

أسعار برنت تهبط 5.3 بالمئة إلى دون 84 دولارا للبرميل

وزارة الداخلية: تسهيلات جديدة للسوريين بشأن الخروج والعودة

البيت الأبيض: اجتماع ترامب ونتنياهو كان إيجابيا ومثمرا

وزيرة التخطيط تبحث مع الأمينة التنفيذية للإسكوا آفاق التعاون

غزة .. شهيد و16 إصابة في قصف وإطلاق نار إسرائيلي

منع الشورت في الأردن .. تقرير شامل يرصد الجدل والآراء القانونية والإعلامية والشعبية

تطور جديد في قضية جيمي كارني .. محققون إيرلنديون يزورون الأردن

‏وفاة أم وأطفالها الثلاث في حادث أليم على الطريق الصحراوي

مهرجان أبوظبي 2026 يواصل فعالياته أكتوبر القادم

فضل شاكر وجورج وسوف بمجلس النواب الأردني .. ما القصة

إرادة ملكية بالموافقة على وكالات عدد من الوزراء .. أسماء

انخفاض ملحوظ بأسعار الذهب محلياً اليوم

الدفاع المدني يتعامل مع حادث شخص محاصر داخل حفرة في منزله

حريق مجمع سفريات عجلون .. تجار يروون للسوسنة كيف فقدوا مصدر رزقهم

إصابة 12 شخصاً بينهم طفل إثر عقر كلب ضال في إربد

الترخيص: لا وجود لإعادة الفحص عشرات المرات .. والحديث مجرد ترند

إيقاف القسائم البلاستيكية .. مهم بشأن رخص القيادة والمركبات

تدهورت صحته وضعف بصره .. فنان مصري يعتزل التمثيل

ماسك يعلن أنه أصبح مليارديرا سابقا

اتحاد منتجي الدواجن: نظام "الطيبات" يفاقم خسائر القطاع في مصر