الأردن .. والخطر الاستراتيجيّ

mainThumb

01-02-2024 12:06 AM

كنّا قد حذرنا في مقالٍ سابق من خَطَرِ وجودِ «المليشيات» المدعومة إقليمياً في الجنوبِ السوريِّ المتاخِمِ لحدود الأردن الشمالية، ونبّهنا إلى أثَرِ ذلك على الأمنِ الوطني؛ إذْ ومنذ أن سيطَرت «المليشيات» على الجنوب السوريِّ، لم نرَ خيرًا؛ فزادت حركةُ تجارة المخدرات وتهريبها عبر الحدود الشماليّة، واستخدامِ الطائرات المُسيرة التي حاولت مِرارًا اختراق الأجواء الأردنية، وتم إسقاطها بفضل جهود القوات المسلحة الأردنيّة/الجيش العربي.

إنّ المتابِعَ لمجريات الأحداث في المنطقة، أو.. لِنَقُلْ: لو وَضَعنا خريطةَ المنطقة على طاولةٍ أمامنا ونظرنا إليها نظرةً شاملةً، لشاهدنا ألسنة اللّهب تتصاعَدُ من كلِّ مكان، ولرأينا القتلَ والدمارَ يتوسّعان، وهناكَ بؤر مرشحة للاشتعالِ في أيّة لحظة، فمنطقتنا اليومَ في أسوأ حالاتِها وأكثرها خطورةً، وقد تتسعُ كتلة اللهب لتصيبَ الجميع دون استثناء.

الأردُنُ، يتمركَزُ وسطَ هذا المحيطِ الملتَهِبِ الذي بَدَأَ يقتربُ من بعضِهِ البعض، ليكونَ أكثر التحامًا ودمارًا، فالميليشياتُ على حدودِ الكيان الصهيونيّ، ومتاخمةٌ لحدودنا التي لنْ تتوانى عن خرقِها، (وقد فعلت ذلك مرارًا بالمُسيرات)، إنْ هي بدأت حربها مع «إسرائيل»، واندلعت الحربُ على جبهةِ لبنان، فكثير من الأوراق ستخلط، وستزدحم المنطقةُ بلغةِ الدمار والقتل والحرائق!.

أمامَ هذه الخارطة الملتهبة، اختارَتْ تركيا أن تسيطِرَ على الشمال السوريّ، وتدخُلَ بقواتِها لتشكِّلَ منطقةً عازلة حماية لمناطقها ومُدُنها المتاخِمَةِ للحدود، نتيجةَ غيابِ الدولة السوريّة المنشغلةِ بـ«الحربِ الأهليّة»؛ منعًا لسيطرة الميليشيات الإرهابية وبعض الفصائل المُعادية لأنقرة. وفي الأردن يبدو أنّنا نعيشُ ذاتَ التجربة، ولكن بعد فوات الأوان؛ فقد فرّطنا بخيارِ السيطرة على الجنوبِ السوريِّ، وتركناهُ للميليشياتِ الإرهابيّة، لتكون على حدودِنا الشماليّةِ تسرحُ وتمرَحُ دونَ رادعٍ، وتدير شبكاتِ تصنيع وتهريب المخدرات، وتتوسّعُ في نفوذها من خلال تجنيد أبناء المنطقة، سواء بإغراءاتِ المالِ أو بالتهديد بالقتل وفرض التشيُّعِ على أبناء عشائرِ الجنوبِ السّوري..!!.

هل كانَ على الأردن، أنْ يتدخّلَ قبلَ سنواتٍ ويسيطِرَ على منطقةِ درعا، ويفرض شريطًا على طول الحُدودِ الجنوبيّةِ يحمي من خلاله أبناء المنطقة من خطر الميليشيات الإرهابية، ويبني مخيماتٍ اللاجئينَ في الدّاخل السوري، ويحمي مناطقنا الشمالية من عبثِ الحاقدين؟

ربما هذا سؤالٌ فاتَ أوانه. لكنّ موقفَ الأردنِ لم يكنْ نابعًا من ضعفٍ أو تهاون، بل جاءَ من مبدأ عدمِ التدخّل في الشؤونِ الداخليّةِ للدول، واحترامِ سيادةِ الدولة السوريّة، ووحدة أراضيها، إلا أنّ الأخيرة في نهايةِ المطاف لم تحترم سيادتها أساسًا، ووضعت الفصائِلَ الإرهابية المتنوعة على على حدودِنا الشمالية، حيثُ تشكّل اليومَ تهديدًا استراتيجيًا لا بُدَّ من التعامل معه، سواءً عبرَ الطرقِ الدبلوماسيّة أو العسكرية إنْ اقتَضى الأمر؛ فالأمنُ الوطنيُّ خطٌ أحمر، ولا مجاملة أو مُهادنة في حمايةِ حياضِ الوطن.

لا أستبعِدُ أنْ نرى المزيد من «المسيرات» تحاول اجتياز حدودنا في قادمِ الأيام، ولا أستبعد أنْ تستغلَّ دول إقليمية على رأسها إسرائيل، هذا الوضعَ الأمنيَّ الهش في الجنوب السوريّ، لخلق حالةِ فوضى في بلادنا، بُغية تنفيذ مخطط تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه في الضّفة الغربية المحتلة إلى الأردن، لتبدأ حربٌ شاملةٌ برعايتها، تطالُ لبنان وسوريا والضّفة الغربية، بعدَ أنْ هدَّمت غزّة على رؤوس الفلسطينيين. ومن هنا لا بُدّ من رَصِّ الصفوفِ خلفَ القيادة الهاشميّة التي تستشعِرُ هذا الخَطَرَ وتستعدُّ لمواجهته بالوسائل المتاحة كافة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد