متى يستفيق العرب ويلحقوا بركاب المبدعين

متى يستفيق العرب ويلحقوا بركاب المبدعين

16-02-2025 01:23 AM

عندما نراقب الواقع العربي من الخليج للمحيط لا نرى سوى السراب، فالإنسان الخليجي مثلاً لا يُحسن سوى التجارة، أو العمل الإداري، وقد يضطر للعمل في الحراسات الأمنية التي لا تتطلب عملاً فكرياً ولا مجهوداً بدنياً، يعتمد في تدبير شؤون حياته على الشعوب الأخرى التي تتقن العمل اليدوي أو المهاري أو الخدمي في الحرف والمهن بشتَّى أنواعها، أمَّا التكنولوجيا والصناعة والفضاء والبحث العلمي والاختراع والإبداع فقد استحوذ عليها الغرب الأوروبي والشرق الآسيوي، وأضحى عالمنا العربي عالةً على ما يُنتجه لنا ذلك العالم في كل المجالات.
من صور الجهل في عالمنا العربي التهافت نحو المُعبِّرين للرؤى في وسائل التواصل الاجتماعي، والتعصب الرياضي المذموم الذي تشهده الساحة الرياضية، وتصوير وإظهار مشاهد البذخ والإسراف عند بعض الأسر والمجتمعات بدعوى الكرم، والممارسات العدوانية لدى بعض السائقين في الشوارع لفظياً أو سلوكياً، وارتداء الملابس الخادشة للحياء والخارجة عن الذوق العام والعُرف المجتمعي، والاحتفالات الدخيلة التي ملأت الأرجاء فرحاً وابتهاجاً بنجاح طلاب المدارس بكافة مستوياتهم صغاراً وكباراً، كل تلك الممارسات والطقوس ماهي إلا نماذج بارزة للعيان للجهل العربي.
اللافت أن كل من يبحث عن الشهرة يظهر للمشاهدين عبر تزوير الواقع، إما بتفسير الأحلام والرؤى اعتماداً على كتب المفسرين كابن سيرين والنابلسي، أو يبحث عنها بالحديث عن فتن آخر الزمان وقرب ظهور المُنتظَر الذي أوشك على الخروج من سردابه ليُعيد أمجاد المسلمين باستقراء النصوص التي وردت في كتاب الفتن لابن حمَّاد وغيره، وتارةً يستعرض التاريخ والسير والأحداث للإسقاط على واقعنا المعاصر، وربما استند في مروياته على نصوص حديثية ضعيفة سنداً ومتناً.
ومن صور الجهل لدى المجتمع العربي تهميش الحاضر والمستقبل، فهي ليست ضمن خياراته، ولا تقع في دائرة اهتماماته، لا يقبل سوى ما دُوِّن في كتب السابقين وما ورد في مروياتهم، لا يرغب أن يعيش مستقلاً يُفكِّر كما فَكَّروا، أو يحيا الحاضر كما يجب أن يكون، أو يستشرف المستقبل كما استشرفه الغربيون والشرقيون، هذا بطبيعته يرجع إلى طريقة التفكير الأحادي لدى العقل العربي الذي اعتاد ردحاً من الزمن على حفظ المنقولات، وتقديس الأشخاص، وحب التقليد، مع تحذير الأتباع بعدم النقاش أو إبداء الرأي حتى لا يخرج المتعلم من طقوس الإتِّبَاع الذي يرونه واجباً مقدساً وإلا أصبح في ركاب المبتدعين.
ومن الشواهد على تلك الأمية والجهل ظهور الأحزاب والطوائف والفرق وكافة الجماعات الإسلامية أياً كان المذهب الذي يعتنقونه، تلك الطوائف ليست على قلب رجلٍ واحد، تنظر لبعضها نظرة استعلاء، كل حزبٍ بما لديهم فرحون، وهم في صراعٍ دائم مع بعضهم البعض، يرفعون جميعاً راية الإسلام وشعاره، أمَّا العصمة والطائفة المنصورة فليست سوى للجماعة التي ينتمون إليها وما عداها خارج عن ربقة الإسلام.
بعض أفراد تلك الجماعات سلك طريق العنف في سبيل تحقيق غاياته ولو أدَّى لسفك الدماء المعصومة، وبعضها تصدَّر للدعوة يجول الأرض بلا علمٍ شرعي لتبليغ بعض النصوص الدينية، والفريق الآخر كان همُّه صلاح القلوب والتصوف وذكر المنامات والغيبيات ودراسة علوم آخر الزمان، كان يتوقع ويؤكد منذ الثمانينيات في القرن الماضي على جلاء وهزيمة الكيان المحتل وتحرير أرض فلسطين في العام 2022 م، وفريق آخر يعزو ضعف المسلمين للذنوب والمعاصي، يدعون على منابرهم عقوداً من الزمن بالنصر والثبات للمسلمين والهلاك والدمار لأعداء الملة والدين، فازداد الأعداء قوةً ونصراً وثباتاً، والمسلمون هزيمةً وضعفاً وهواناً.
عندما نجلد ذواتنا بنقد معارفنا فإنما نحاول قدر الإمكان تشخيص واقعنا المعاصر، على الرغم من وجود بعض المبادرات المشكورة لنقد هذا الواقع الذي تبنته مؤسسة "محمد بن راشد آل مكتوم المعرفية"، تلك المؤسسة الوحيدة التي يمكن أن يُشار إليها بالبنان في توحيد الصف العربي معرفياً، فقد كانت سبَّاقة ولا تزال في كل المجالات، فهي تمنح الجوائز وترصد المبادرات في كل عام للكتاب والمثقفين والمهتمين، كما تشجع الجيل الحاضر على القراءة والابتكار والابداع في كل المجالات المعرفية.
لم يتبقى لدى العرب سوى التمسك بالثوابت الدينية، أما علوم العصر الحديثة فليس لدينا ما ينفع البشرية، فلنلحق بالآخرين الذين سبقونا في علوم الدنيا شرقاً وغرباً لنقتبس من نور علومهم حتى نظفر بالحسنيين، هذا إذا أردنا العلو والرفعة والغلبة والنصر على الأعداء، لننتج غذاءنا ودواءنا وكساءنا وسلاحنا بأنفسنا، ذلك الطريق القويم الذي علينا اتباعه، فمتى يستفيق العرب من سباتهم، ويرفعوا الجهل عن أنفسهم، ويلحقوا بركاب المُبدعين؟.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

غارة أميركية على منصتي إطلاق إيرانيتين في جزيرة لارك

ولي العهد يبارك إنجاز البطلة فادية الخرفان

قبرص التركية .. مصرع 8 أشخاص و18 مفقودا بانقلاب عبّارة قبالة غيرنه

القاضي: الأردن يحرص دوماً على علاقات وثيقة مع الأصدقاء في اليونان

الضابط : 172 منحة تقنية ومهنية السلطة لابناء العقبة

امتحان قبول التجسير 17 أيلول المقبل

الدفاع المدني يخمد حريقا في منجرة ومشغل لتنجيد الكنب بوسط البلد

باكستان: الاجتماع الافتتاحي للجنة الدفاعية بموجب اتفاق مكة ينعقد بإسطنبول

4 إصابات بالرصاص الحي خلال هجوم للمستوطنين على المغير

تحذير من انتحال أسماء شركات سياحة وسفر للاحتيال على المواطنين

الصوافين: 11 ألف فرصة عمل متوقعة في الناقل الوطني وسكك الحديد

ريال مدريد يواصل بدايته المثالية في الدوري الإسباني بالفوز على ملقة

النقابات المهنية ترفع العلم الأردني في مجمعها تحت رعاية رئيس الوزراء

أكثر من 2800 خريج من مؤسسة التدريب المهني

الإحصاءات: انخفاض معدل البطالة إلى 16.1% في الربع الثاني 2026

اب يقتل ابنه بالرصاص في اربد .. تفاصيل

خطبة الجمعة تعظّم مقام النبي .. والمناعي يعلّق على قضية الزيود

شيماء وليد .. ماذا اكتشفنا خلف قصة الطبيبة التي أبكت الملايين؟

إحالة خليل الزيود إلى النائب العام بعد جدل حول تصريحات مسيئة للنبي

عمال مصنع ألبان: سبعة أشهر بلا رواتب .. التفاصيل

سقط قرار الـ30% وبقيت الأزمة .. من يفك طلاسم التوجيهي والحقول؟

منخفض جوي مبكر يقلب أجواء المنطقة .. وهذا ما ينتظر الأردن نهاية الأسبوع

تصريحات الخبير التربوي عن النبي ﷺ .. القصة الكاملة من الجدل إلى تدخل الإفتاء

غضب أردني من تصريحات خبير تربوي أساء للنبي ﷺ .. والإفتاء ترد

عشرات الأردنيين مدعوون لإجراء المقابلة .. أسماء

الحكومة تتحمل أعباء مالية لدعم أسعار المحروقات في آب

بالفيديو .. أمطار غزيرة وعواصف رعدية تفاجئ شمال الأردن في عزّ الصيف

الامن العام: وفاة شخص إثر مشاجرة في إربد

السجن لإيطالي حوّل غابة محمية إلى آثار يونانية

مخالفة مواقف على المركبات .. تحذير من رسائل احتيالية