مَحَبَّة

مَحَبَّة

16-03-2025 03:43 AM

ومحبة القهوجي هو اسمها. عراقية في الحادية والعشرين من العمر فازت قبل أيام بالجائزة الأولى في مسابقة البلاغة والخطابة بين طلاب الجامعات الفرنسية. أقيم حفل حاشد لتسليمها الميدالية في قاعة ريشيليو، كبرى قاعات جامعة السوربون. سقوف وجدران مرسومة بتصاوير عصر النهضة تردّد للمرة الأولى أصداء هلاهل عراقية. وفي الصف الأخير من القاعة وقف رجل يمسح دمعة فرح واعتزاز. سعد وعد الله القهوجي، والد محبة، معلم التاريخ الذي أرغمته ظروف الهجرة على ترك العمل الذي يحب.

لم تهبط البنت الموصلية على السوربون بالمظلة. كانت تحتفل بعيد ميلادها الحادي عشر يوم غزا مقاتلو «داعش» مدينتها في ليلة ظلماء. سلبوا منازل مسيحييها وهددوهم بالقتل. أخذ الأب زوجته وبناته الثلاث وتوجه نحو قرى الشمال. وصلوا دهوك واستأجروا شقة من غرفتين تقاسموها مع عشرين فرداً من الأعمام والعمات وأبنائهم المهجرين. وبمساعدة جمعية إنسانية انتقلت الأسرة إلى بيروت ومنها إلى فرنسا. وصلت إلى باريس أوائل صيف 2015، بعد عام بالتمام من استباحة الموصل.

تسجلتْ محبة في المدرسة. ألحقوها بصف مخصص لأبناء الأجانب. ولم تكن تفقه شيئاً مما يقال. تسمع اللغة الفرنسية وتتصور أن من المستحيل أن تتعلمها. لكنها بعد أشهر قلائل نجحت في الاختبار وانتقلت إلى مدرسة عادية. كان في المنهاج مسرحية «جزيرة العبيد»، قرأتها فلم تفهم نصفها لكنها استوعبت الفحوى. وبعد سنوات، عادت لمطالعة المسرحية نفسها في المرحلة التمهيدية لدراسة الأدب ونالت أعلى علامة في الصف.

أحبت اللغة الجديدة وتفوقت فيها. تم قبولها في المعهد العالي للأساتذة في جامعة دوفين الرصينة. تدرس العلوم السياسية وتقرر أن تتحدى نفسها وتتقدم للمسابقة الوطنية للخطابة والبلاغة. كان على كل متقدم، في التصفية الأولى، أن يتحدث لمدة ثلاث دقائق عن البحر. والفائز سيلقي خطابه أمام مؤتمر حول البحار تنظمه الأمم المتحدة هذا الصيف.

لم تعرف البنت بحراً من قبل. كانت السماء هي الفضاء الرحب الوحيد المفتوح أمامها كطفلة في بلد محكوم بالخوف والتفجيرات. ومن شباك الطائرة التي نقلتهم من مطار أربيل إلى بيروت رأت البحر للمرة الأولى. لذلك ابتدأت خطابها في المسابقة بالقول: «حين ابتلت قدماي بماء البحر للمرة الأولى كانت عيناي شاخصتين نحو الأعلى. قبل أن أرى البحر طالعت السماء».

والفرنسيون مثلنا. شعب كلام وأشعار ومشاعر. يقدرون الثقافة ويحفظون الخطب التاريخية العصماء ويتأثرون بالسياسي الأكثر بلاغة. استمعوا إلى الطالبة العراقية وهي تخاطبهم بلغة صحيحة وصوت واثق. تحكي لهم عن فهمها للحرية وعن أولئك الذين يلقون بأنفسهم في البحر بحثاً عنها. «رؤيتي للبحر كانت بشارة أفق جديد في حياتي».

أسأل محبة القهوجي: بأي لغة تفضّلين أن يكون حديثنا؟ تجيب: بالعربية طبعاً. أفتخر بأنني ما زلتُ أقرأ وأكتب بها. لو لم أكن عراقية لكان حلمي أن أكون عراقية.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

نقيب أصحاب المعاصر يكشف عن سعر تنكة زيت الزيتون للموسم المقبل

بالصور .. أردنيون يعبرون عن استيائهم: أوقفوا المجزرة .. ما القصة

تفاصيل وفاة طالب اليرموك الإندونيسي .. قطار يجر سيارته مئات الأمتار

للمرة الرابعة في 2026 .. ارتفاع مرتقب على أسعار السجائر

إصابة 9 طلبة إثر انقلاب حافلة مدرسية في لواء بني كنانة

16 عاما من الانتظار .. انتهت بوفاة أماني الحجيجي

حادث مروع على شارع البترا بإربد .. فيديو وصور

مسيّرة حوثية باتجاه مكة .. الدفاعات السعودية تعترضها وتدمرها

عرض مغرٍ انتهى بخسارة أمواله .. قصة احتيال تحولت إلى كابوس .. تحذير أمني

الجيش يعلن عن منح هندسية في أمريكا .. التفاصيل والشروط

مشاجرة في إربد تنتهي بطعن لاعب الحسين إربد وشقيقه .. التفاصيل

بالفيديو .. سرقة عجل من مركبة في الحصن

قصتان صادمتان تعيدان ملف حقوق الرجل بعد الطلاق إلى الواجهة في الأردن

كاميرات جديدة في إربد .. رصد مخالفات الإشارة آليا

هروب الذكاء الاصطناعي يثير الذعر .. أنظمة تخرج عن السيطرة واجتماع أممي لاحتواء الخطر