سحر التسامح

سحر التسامح

29-04-2025 01:12 PM

في مثل هذا اليوم، لم يحدث شيء يستحق الذكر، سوى بعض المشكلات المعتادة التي تقع على مدار الساعة في كل البيوت، الصغيرة منها والكبيرة في هذا العالم. إذا أخطأ أحدهم في حق الآخر، يبقى السؤال: هل سيتمكن الشخص المظلوم من مسامحة المسيء على فعلته النكراء، أم إن الأمر سيتطور إلى طلب العدالة الإلهية، وتوكيل الرب بالانتقام السريع من مرتكب الفعل المشين، مصحوباً بالنذور والعويل الطويل الذي قد يمتد لسنوات طوال، لن ينتهي إلا بفقدان الظالم إحدى ذراعيه، أو إصابته بشلل رباعي يجعله يدرك أن إيذاء الناس ليس «لعبة»؟
وعندما أقول «الناس» هنا، فإنني أفعل ذلك بتواضع جمّ، إذ أعلم تمام العلم أنني لست كسائر الآخرين؛ فمَن تسوّل له نفسه إيذائي، سينال سوء العاقبة، وما هي إلا أيام معدودات حتى تعود «الكارما» أدراجها، عاجلًا لا آجلًا.
أكثر ما كان يشغلني في قصة نبي الله إبراهيم -عليه السلام- عندما أمره الله بالتضحية بابنه المحبوب عوضًا عن ماعز، هو أنه استجاب للأمر دون شكوى أو تذمر، وكذا فعل ابنه. وفي اللحظة الأخيرة، فُكَّ الله عنهما هذا الابتلاء، فعادا إلى منزلهما بكل هدوء.
وما يثير دهشتي في هذه القصة كذلك لم يكن طاعة الأمر ولا توقيف التنفيذ فحسب، بل قدرتهما، الأب والابن معًا، على إعادة العلاقة بينهما إلى صفائها الأول، واستمرار الحب العميق بينهما.
ثمة شيء أعمق من فكرة الطاعة يتجلى لي في هذه الحكاية؛ إنه سحر التسامح.
إن المعجزة في هذه القصة ليست في الامتثال وحسب، بل في القدرة على نسيان ما حدث، وفي تحقيق هذا الصفاء الكامل، على شرط أنهم أنبياء وأصفياء اختارهم الله.
لقد كان وهم الفردانية أحد أبرز المفاهيم التي شغلت الإنسان الحديث عبر التاريخ. أنتجت السرديات الكبرى، والقصائد، والأغاني، والفلسفة، ما أحب أن أسميه «الإنسان الذري»، الذي لا يقوى على مقاومة الدوران الهستيري حول ذاته. كل ما يشغله هو الانغماس في أناه، والتفتيش عن مكامن قوته، حتى بات ينمو ويتغول على حساب الآخر، كمن يلتهم غيره ليعزز ذاته المتورمة.
وهكذا، لم يعد يقبل بأية هفوة في حقه، بل انهمك في قراءة كتب السطوة والتنمية البشرية التي تصطاد الانفعالات الشعورية للأنا العليا كما وصفها فرويد، وتغذيها بوهم الشخصية الأسطورية التي لا تُقهر ولا تُنال.
تطور الأمر، فراح الإنسان الحديث يؤسس قواعد لقراءة لغة الجسد، وتحليل الإيماءات، واصطياد لحظات السكون والهمهمة أثناء الحوارات، مما جعله يهرس كل (آخر) تحت أنياب وسواسه، بدعوى أن كل حركة تصدر عن الآخر إنما هي فعل قصدي للنيل منه.
هكذا صار الإنسان الحديث ذاتًا شكاكة، متوجسة، قابلة للتفتت والانهيار السريع، إذا لم تجد الترحيب الذي يتناسب مع حجم خيالها الجامح.
إنها سموم الخيلاء، أحد أخطر منتجات الفردانية المنتصرة دومًا.
وهذا ما سمح لتفشي التفكك الأسري على مختلف الصعد، وانهيار العلاقات الإنسانية التي استُثمرت فيها سنوات طويلة.
لم يعد التغني بالعزلة حكرًا على المبدعين الذين يحتاجون إلى مسافة للتأمل والجمال، بل صارت العزلة ضرورة دفاعية لحماية الذات الأسطورية، المشوشة، والمُدَوَّخة من فرط شعورها بالعبقرية.

إن المسامحة، بشكل عام، تحتاج أحيانًا إلى معجزة إلهية كي تتحقق؛ إذ ليس من الضروري أن يجبر الإنسان نفسه على المسامحة إن لم يكن قادرًا عليها بصدق.
فمصارعة الأشياء تخلق عنادها، ومقاومة الرغبة الطبيعية للإنسان تعملق الجراح المكبوتة، فتتغول وتغتذي عليه.
ولكن، يبقى السؤال:
مسامحة مَن؟
وعلى أي أخطاء؟
هل هي أخطاء جسيمة لا تُنسى؟
أم إنها هفوات بسيطة، كانت جداتنا تواجهها يوميًا، فتنسى مع غياب شمس الظهيرة، ثم تتعالى الضحكات مع طقوس تحضير الشاي وكعك المساء؟
صحيح أن فكرة التسامح تبدو كأنها هبة من طرف واحد، تسير في اتجاه واحد، لكن في جوهرها لا تعني فقدان الذاكرة تماماً؛ بل تعني نسيانًا مقصودًا، نعيد استحضاره بقرارٍ داخلي.

يقول توماس مان:
“يصبح التسامح جريمة عندما يُطبق على أولئك الذين يسخرون حياتهم لإلحاق الضرر بالآخرين. فغالبًا ما تقع الأسماك في مصائدها لأنها تنسى وظيفة الشبكة المنصوبة لها في الأعماق».
في نهر الحياة، يغير المتسامحون طريقهم ألف مرة، انتصارًا للنسيان على الذاكرة، انتصارًا للرمال على الحجارة، وللمحو على النقش.
لكن، يبدو أنهم غيّروا مسارهم مراتٍ عدة حتى تاهوا في صحراء الوجود، وبقي أولئك الذين لم يعرفوا معنى الهفوات الإنسانية، التي يمارسها الجميع مع الجميع.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

مباراة المغرب وفرنسا .. صدام الثأر والحلم العربي والقنوات الناقلة والبث المباشر

قبول الدخالة في قضية طالب التوجيهي فهد أبو شايب .. والأردنيون ينتظرون العدالة

زوجة قتلت زوجها ودفنته في ابو نصير .. تفاصيل صادمة

مقتل أميركية في إيرلندا .. البحث عن أردني غادر البلاد قبل اكتشاف الجريمة

السلامي يوجّه رسالة مؤثرة للأردنيين بعد رحيله

جريمة مروعة في الموقر .. تفاصيل مقتل الطفل عبد الحكيم على يد حدث

بعد الجدل .. نقابة الفنانين الأردنيين تعلق قرار شطب 46 عضوًا بينهم صبا مبارك

التربية تكشف تفاصيل تصحيح الرياضيات وتطمئن طلبة التوجيهي

خالد البكار يعيد القضية إلى الواجهة .. قراءة في التطورات وتداعياتها السياسية

مصر تودع كأس العالم وسط جدل تحكيمي .. ماذا قالت الصحافة الأرجنتينية عن حسام حسن؟

وظائف شاغرة ومدعوون للاختبار التنافسي في الحكومة .. تفاصيل

وفاة الإعلامي سعود العتيبي بحادث سير مروع

هيئة البث: إسرائيل ترفض تجديد اتفاقية المياه مع الأردن

شاب يشعل النار في جسده بجرش .. والبطالة تعود إلى الواجهة

مباراة مصر والأرجنتين .. القنوات الناقلة والبث المباشر وموعد اللقاء وماذا قالت الصحافة العالمية عن ميسي وصلاح؟