أنبوب البصرة – العقبة: فرصة استراتيجية مؤجلة في زمن الحاجة

أنبوب البصرة – العقبة: فرصة استراتيجية مؤجلة في زمن الحاجة

20-06-2025 07:56 PM

في خضم المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة في المنطقة، ومع تزايد التهديدات التي تطال طرق إمداد الطاقة التقليدية، يطفو على السطح مجددًا مشروع أنبوب النفط الممتد من البصرة إلى ميناء العقبة، كأحد أكثر المشاريع الاستراتيجية التي لم يُفعل تنفيذها بعد رغم أهميته البالغة لكل من العراق والأردن. هذا المشروع، الذي جرى الاتفاق عليه مبدئيًا قبل أكثر من عقد، يمثل حاجة إقليمية ملحّة، وليس فقط مصلحة ثنائية.

يمتد الأنبوب على مسافة تقارب 1,700 كيلومتر، لينقل نحو مليون برميل يوميًا من جنوب العراق إلى مرافئ التصدير في خليج العقبة، ما يتيح للعراق منفذًا بديلًا وآمنًا لصادراته النفطية بعيدًا عن مضيق هرمز المهدد باستمرار. كما يوفر للأردن مصدرًا طويل الأمد للنفط، ويعزز أمنه الطاقي ويقلل من كلف الاستيراد عبر وسائل النقل التقليدية.

ومع تصاعد التوتر في البحر الأحمر، والهجمات المتكررة على السفن ومرافق النفط، تبرز الحاجة إلى مسارات برية آمنة ومستقرة. أنبوب البصرة – العقبة لا يشكل فقط شريانًا اقتصاديًا، بل مسارًا استراتيجيًا لتحسين سلاسل الإمداد في الإقليم، ورفع قدرة الدول على امتصاص الصدمات في أسواق الطاقة العالمية.

لكن رغم وضوح الفوائد، لا يزال المشروع متعثرًا. تعود أسباب التأخير إلى عوامل متعددة، أبرزها التحديات الأمنية في غرب العراق، وغياب آلية تمويل مستدامة، وتعاقب الحكومات دون استقرار في الأولويات. كما أن بعض القوى الإقليمية لا ترى في المشروع مصلحة، وتحاول فرض معادلات تجعل العراق يعتمد على مسارات تقليدية ومحدودة.

في هذا السياق، تبرز الحاجة لتغيير مقاربة التعامل مع المشروع. فبدلًا من حصره كاتفاق ثنائي، يجب طرحه كمبادرة إقليمية استراتيجية، تُشارك فيها دول الخليج وصناديقها السيادية، ويُربط بمشاريع الطاقة الكبرى التي تجمع مصر، الأردن، والعراق، وربما حتى تركيا لاحقًا.

تشير التقديرات إلى أن تكلفة المشروع تتراوح بين 8 و10 مليارات دولار، وهو رقم يمكن تمويله بسهولة عبر تحالف يضم العراق، الأردن، ودول الخليج (خاصة السعودية والإمارات)، إلى جانب جهات تمويل دولية مثل البنك الدولي والبنك الإسلامي للتنمية، ضمن نموذج شراكة عامة – خاصة.

دول الخليج يمكن أن تستفيد من هذا المشروع كمسار بديل ومكمل، يخفف الضغط عن الموانئ النفطية ويُحصّن صادراتها في ظل الأزمات. كما يمنحها دورًا رئيسيًا في تشكيل مشهد الطاقة في المشرق العربي، وتعزيز نفوذها من خلال أدوات التنمية لا أدوات النزاع.

إن إعادة إحياء مشروع الأنبوب لا تمثل مجرد ربط جغرافي، بل صياغة جديدة للعلاقات الاقتصادية العربية على أسس السيادة والمصالح المشتركة. فالنفط لم يعد فقط سلعة، بل أداة استراتيجية. والربط الطاقي لم يعد ترفًا، بل ضمانة للبقاء والمكانة.

وفي المحصلة، أنبوب البصرة – العقبة هو مشروع دولة لا مشروع حكومة، ومصلحة إقليم لا مجرد ممر. تسريعه الآن ليس ترفًا سياسيًا، بل ضرورة تاريخية لصياغة توازن طاقي جديد، أكثر أمانًا، وأقرب إلى القرار العربي المستقل .



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

إربد تحت موجة صاروخية إيرانية غير مسبوقة .. مشاهد توثق ما حدث

إلى الأردنيين .. هذه الهواتف سترتفع أسعارها بزيادة قد تصل إلى 240 ديناراً

تحذير للأردنيين بشأن مندوبي التعداد السكاني .. لا تعطوا بياناتكم قبل هذه الخطوة

ثاني أردنية تترأس جاهة صلح وشيخ عشائري يرد: الجاهة ليست مشوار بل كلمة رجال

حصيلة وفيات جديدة لحادث حافلة المكلفين بخدمة العلم

إيران تستهدف مدناً أردنية بموجة صاروخية غير مسبوقة .. فيديو

جريمة قتل تهز الكرك .. والأمن يكشف التفاصيل

إربد .. سائق بحالة غير طبيعية يتسبب بحادث والمفاجأة بما عُثر بحوزته

فاجعة أطفال الزرقاء تفتح ملف المراوح .. علامات خطرة لا تتجاهلها

من توقيفه بسبب الدرون إلى دعوة رسمية .. قصة جو حطاب في الأردن .. فيديو

بيان للجيش يكشف ما حدث في سماء الأردن .. وكاميرا السوسنة توثق الصواريخ

القوات المسلحة تنعى شهداء الواجب وتوضح تفاصيل الحادث الأليم

إلى الأردنيين .. تحذير مهم من البحث الجنائي

بعد شكاوى مستهلكين أردنيين .. السفارة الصينية تتدخل لحل أزمة طراز من المركبات

من المفرق إلى إربد .. والد أسامة يكشف تفاصيل جديدة حول مقتله