كراسي بلا أقدام
في العالم كله ولكن بدرجة صارخة في عالمنا الشرق أوسطي، التعليم في خطر، ما يعني أن النشء في خطر، وما يعني أن الحياة بأكملها في خطر، وعلى الرغم من درجة الوعي العالمي الكبيرة بالقضية الفلسطينية اليوم، فإن ضعف التعليم تحديداً في شرقنا الأوسط منعكس وبشدة على طريقة تعاملنا مع القضية، واضح في تهاوننا في ردود فعلنا تجاهها، وفي ضعف مقدرتنا على الاستمرار في التفاعل معها، وبالتأكيد في خوفنا من إعلاء صوتنا وإيصال آرائنا التي يفترض أن تكون صارمة وقوية وشديدة اللهجة إلى حكوماتنا.
التعليم الحر ينتج بشراً أحراراً، بشراً قادرين على إعلاء صوتهم وتخطي خوفهم، بشراً يشعرون أنهم يحكمون أنفسهم وأنهم أصحاب قرار وأن لهم حقوقاً أصيلة، أهمها إبداء الرأي واتخاذ الموقف والنزول للشارع وممارسة كافة صور الاحتجاج السلمية، والتي هي حقوق لا تقبل المناقشة أو المساومة. هذه النوعية من التعليم لم تكن متوافرة في يوم في شرقنا الأوسط المسكين، بالدرجة المطلوبة لإنتاج بشر أحرار مفكرين ناقدين، فتعليمنا تلقيني أبوي، يعلي الرجل على المرأة، والقوي على الضعيف، والمسؤول على الشعب، والمتدين على المتحرر، والمسلم على غير المسلم، بل والغني على الضعيف. هذا النوع من التعليم يؤصل العنصريات ويرسخ الحواجز ويعزز فكرة الطبقية في كل شيء، وما إن تترسخ القناعة بالطبقية حتى تموت فكرة الحرية والمساواة، ويتحول البشر إلى أدوات في أيادي النافذين الأقوياء.
كان منهج اللغة العربية في الكويت يبدأ بجملة «مع حمد قلم» واليوم يبدأ بجملة «أنا آكل وأنا أشرب». كان منهج التربية الإسلامية سمحاً لطيفاً يتناول العلاقات بين البشر وحسن المعاملة وكرم الأخلاق، أما اليوم فيتناول طبائع الجن وحرمة الديموقراطية ومفاسد النساء التي تدخلهم النار، ومنع لبس الحرير والذهب على الرجال. كان منهج العلوم يقدم لنا نبذة عن النظرية الداروينية، ولو على استحياء وبرفض كامل للنظرية، واليوم لا وجود لاسم داروين في المناهج التعليمية، وكأن العالِم الأكثر تأثيراً على العلوم الطبيعية في القرن العشرين لم يكن ولم يَكْتُب ولم يغير مسار التاريخ العلمي بمجمله في يوم.
كان هناك الكثير الذي ضاع من كتبنا التعليمية في شرقنا الأوسط الحزين، ثم ضاعت كتبنا برمتها، حين توقف الصغار عن القراءة، وعن تحسس الورق والنظر للحروف مطبوعة عليه، وهو ما له تأثير ذهني وبصري كبير، حين أتى الذكاء الاصطناعي ليولد الغباء الطبيعي، ليجعلنا أسرى خدماته، ويدفع بنا لتسريح عقولنا وإحالتها إلى التقاعد.
لكن مصيبة الذكاء الاصطناعي لا تنحصر في تقليله للقدرات الذهنية والعقلية والفكرية والجسدية، بل إن خطورته الكبرى تتجلى في تأثيره الأخلاقي، وفي تقنينه للغش وتحويله إلى ممارسة «طبيعية» ومستحقة، وفي تخفيضه لكمية الجهد البشري المطلوبة من حيث القراءة والكتابة للإنتاج الفني وأي إنتاج إبداعي آخر إلى أدناها. لقد ارتخت قواعد الإنتاج والجهد، وما عاد لها أي أهمية، ومعها تراخت القواعد الأخلاقية التي أصبحت تتقبل الإنتاج الإلكتروني على أنه إنتاج بشري، والتي أصبحت تجد أن ضغطة الزر على الكمبيوتر أو الجهاز المحمول كفيلة بأن تعطي صاحبها حق الملكية الفكرية. ومع التراخي في ترتيب وتقنين والتشديد على هذا الحق، كل الحقوق الأخرى ستضيع؛ فالحقوق «تتسرب»، يقول لنا التاريخ، على أهون الأسباب وبأبسط البدايات.
لست هنا في عارض مقاومة الذكاء الاصطناعي؛ فهذه حرب طواحين هواء، ولست حتى في عارض شيطنته؛ فهذا عداء ساذج وغير عادل، إنما أنا أنظر في فعلنا العربي المتكرر لاستيرادنا التكنولوجيا، أي تكنولوجيا، من الغرب، ثم اعتمادنا اعتماد الكرسي على قوائمه الأربع عليها دون تفكير أو تدبر أو حتى اتخاذ احتياطات انقطاع هذه التكنولوجيا عنا أو حرماننا المتعمد منها. حقيقة الأمر أننا نحن العرب تحديداً، أشبه فعلاً بالكراسي القائمة على قوائم غربية، كراسي مرتفعة ومستوية وملونة بألوان جميلة، وذلك إلى أن تُسحب القوائم أو تهترئ أو يأكلها الصدأ، وساعاتها ستظهر حقيقتنا، مجرد كراسي بلا قوائم، لا حاجة لنا ولا دور.
المشكلة الغربية مع الذكاء الاصطناعي هو أنه على وشك القضاء على مهارات مهمة جداً للعقل والنمو البشري والتي أهمها القراءة والتحليل النقدي، فهذه مهارات -حال فقدها- سيتحول البشر إلى «حالة إنباتية» يصبحون من خلالها أدوات أكل وشرب وإستهلاك دون إضافة حقيقية، وهي حالة تتنبأ بها العديد من الأفلام الديستوبية التي ترى أن نهاية العالم ستأتي على يد الذكاء الاصطناعي، الذي سيأكل البشر الذين صنعوه؛ بأن يحولهم إلى حالة غباء وبلادة لا عودة منها.
أما المشكلة الشرق أوسطية، فتتعدى الخوف على المهارات الإنتاجية للبشر إلى الخوف على القيم الأخلاقية التي بدأت تضمحل عند الناس جميعاً، حتى نكون صادقين. أنا بصفتي معلمة، ما عدت أحاسب حساباً عسيراً على ما يبدو أنه سرقة أدبية تكنولوجية على سبيل المثال، والسبب ببساطة أن هذه المحاسبة ما عادت ممكنة حقيقة، فهذه السرقة الأدبية يمكن تحويرها وتغطيتها حتى يصبح من العسير اصطياد مصدرها، ولا يمكن أن يدلل عليها سوى هذا التفاوت الكبير بين ما يكتب الطلبة وما يستطيعون التحدث به. كما أنني أوقفت الأسلوب التعليمي السابق لكتابة الأوراق البحثية خارج القاعة الدراسية، وهذا تمرين مهم جداً في العلوم الإنسانية، لينحصر كل نشاط كتابي يقوم به الطلبة داخل الفصل الدراسي، ولا كأننا طلبة علوم أدب ولغات، ولا كأن علومنا هذه قائمة على مهارة القراءة والكتابة المطولة النقدية. انتهى كل ذلك، وأصبح الذكاء الاصطناعي هو الطالب الأول والأمهر في الفصل الدراسي، طالب خفي لا نراه، يتآمر شيئاً فشيئاً على زملائه لينهيهم ويصفيهم، فكرياً وجسدياً، ويتسيد هو الموقف. المصيبة أن لا أحد ممن يفسح له المكان يشعر بمؤامرته المرعبة تلك.
شيطنتُ الذكاء الاصطناعي، وهو ما قلت إنني لن أفعله، لكن الحقيقة أنني أسعى لشيطنة استسلامنا له، لشيطنة تراخينا تجاه عروضه المريحة السخية التآمرية، لشيطنة تسليم عقولنا بل وأخلاقنا له. هذا هو الذكاء الاصطناعي، مترافقاً مع التعليم الذكوري الأبوي الضعيف المتطرف عندنا، ومستنداً إلى فساد الوسائط التي يمر من خلالها أبناء علية القوم إلى الجامعات ومن ثم إلى المناصب العليا، هذه الخلطة السامة ستقتلنا جميعاً، ستقتلع قواعدنا الأربع وتتركنا بقايا لسطحة كرسي بلا أقدام.
44 وفاة في قطاع غزة منذ إعلانه منطقة مجاعة
كونكورد تطارد الكسوف وتحقق رقماً فلكياً
خدمات طبية مجانية لـ496 شخصاً بالبادية
ضبط مصنع منزلي للمشروبات الكحولية بإربد
الأهلي ونيوم يتنافسان على مدافع التعاون
تركيا تقطع علاقاتها الاقتصادية مع إسرائيل بالكامل
توخيل يصدم أرنولد ويستبعده من قائمة إنجلترا
فيضانات مدمرة تجرف قرى يمنية وتخلف ضحايا
تسليم الدفعة الثالثة من سلاح منظمة التحرير للجيش اللبناني كوديعة
سامح حسين يتعرض لوعكة صحية وزوجته تطلب الدعاء
عشرات الآلاف يؤدون صلاة الجمعة في المسجد الأقصى
غيابات مؤثرة تربك ريال مدريد قبل لقاء مايوركا
أورتاغوس تلتقي إيلي صعب وتصفه بـالأسطورة
التربية تحدد مواعيد الدورات التكميلية لجيل 2008
آلية احتساب معدل التوجيهي جيل 2008
آلاف الأردنيين مدعوون للامتحان التنافسي .. أسماء
تفاصيل مقتل النائب السابق أبو سويلم ونجله
قرار بتركيب أنظمة خلايا شمسيَّة لـ1000 منزل .. تفاصيل
إربد تفتتح أكبر نزل بيئي في محمية اليرموك
عمّان: انفجار يتسبب بانهيار أجزاء من منزل وتضرر مركبات .. بيان أمني
رسمياً .. قبول 38131 طالباً وطالبة بالجامعات الرسمية
النواب يبحثون إنهاء عقود شراء الخدمات الحكومية
وظائف حكومية شاغرة ودعوة للامتحان التنافسي
مقتل نائب سابق ونجله في مشاجرة شمال عمّان
تنقلات في وزارة الصحة .. أسماء
100 شاغر ضمن المكرمة الملكية لأبناء المتقاعدين العسكريين .. أسماء