كونكورد تطارد الكسوف وتحقق رقماً فلكياً

mainThumb

29-08-2025 03:48 PM

السوسنة - في صيف عام 1973، نفذت طائرة كونكورد 001 التجريبية مهمة علمية غير مسبوقة، تمثلت في مطاردة ظل القمر خلال كسوف كلي للشمس فوق شمال أفريقيا، محققة أطول مدة رصد للكسوف في تاريخ البشرية بلغت 74 دقيقة متواصلة، وهو رقم قياسي لم يُكسر حتى اليوم. انطلقت الطائرة من جزر الكناري بسرعة بلغت 2.05 ماخ (نحو 2531 كلم/ساعة)، ما مكنها من مواكبة حركة ظل القمر فوق الصحراء الكبرى، وتحويل دقائق الكسوف الأرضي إلى تجربة ممتدة تعادل مشاهدة أكثر من 12 كسوفاً منفصلاً.

الرحلة التي جرت في 30 يونيو من ذلك العام، حولت الطائرة الأسرع من الصوت إلى مرصد طائر، حيث زُوّد سقفها بفتحات خاصة لمعدات الرصد، وشاركت فيها خمسة فرق علمية متخصصة. الهدف الأساسي كان دراسة الهالة الشمسية، وهي الغلاف الجوي الخارجي الملتهب للشمس الذي لا يُرى إلا خلال الكسوف الكلي. وقد تطلبت المهمة دقة زمنية بالغة، إذ إن أي تأخير في الإقلاع كان سيؤثر على مدة الرصد بشكل كبير، حيث أن تأخير دقيقتين فقط كان سيقلص زمن الرصد بنحو 25 دقيقة.

حلقت الكونكورد على ارتفاع تراوح بين 16,200 و17,700 متر، متجاوزة السحب والاضطرابات الجوية، مما أتاح للعلماء جمع بيانات دقيقة عن التغيرات الديناميكية في الهالة الشمسية، وهو ما لم يكن ممكناً من المراصد الأرضية. وقد شكلت هذه التجربة علامة فارقة في علم الفلك، وأثبتت جدوى استخدام الطائرات الأسرع من الصوت في دراسة الظواهر الفلكية، وألهمت مشاريع لاحقة مثل استخدام طائرات WB-57 التابعة لوكالة ناسا، وبرنامج Proba-3 الأوروبي لمحاكاة الكسوف الاصطناعي في الفضاء.

الفيزيائي دونالد ليبنبرغ، أحد المشاركين في المهمة، وصفها بأنها منحته أطول فترة مشاهدة لكسوف كلي في التاريخ، مؤكداً أن هذه التجربة جمعت بين الابتكار والسرعة والارتفاع، وأعادت تعريف علاقة الإنسان بالظواهر الفلكية في عصر ما قبل الأقمار الصناعية المتطورة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد