ما بعد النتائج الاكاديمية: مهارات يجب على كل طالب جامعي في الأردن إتقانها

mainThumb

29-08-2025 11:47 AM

في خريف هذا العام، سيخطو آلاف الشباب والشابات أولى خطواتهم نحو جامعات الأردن، مفعمين بالأحلام والطموحات والآمال بمستقبل مشرق. بصفتي أبًا لابنته التي ستكون من بينهم، وبصفتي شخصًا يتمتع بخبرة تزيد عن 25 عامًا في العمل عن كثب مع طلاب البكالوريوس والدراسات العليا، أجد نفسي مضطرًا لمشاركة بعض النصائح. إنها نصائح لا لابنتي فحسب، بل لجميع الطلاب الذين يخوضون هذه الرحلة التجربة.

الحياة الجامعية تتجاوز بكثير المحاضرات والامتحانات والدرجات. بالطبع، يجب أن يكون التفوق الأكاديمي أولوية دائمًا. ولكن للاستعداد الحقيقي لمتطلبات سوق العمل المستقبلي، وللنمو كأفراد متكاملين واثقين من أنفسهم، يحتاج الطلاب إلى تطوير مجموعة من المهارات المتكاملة: الشخصية والتقنية والاجتماعية والمهنية. هذه المهارات لن تُشكل شخصياتهم فحسب، بل ستمنحهم أيضًا الأفضلية في عالم يزداد تنافسية وترابطًا يومًا بعد يوم.

عندما يلتحق الطلاب بالجامعة، يكتشفون سريعًا أن بيئتهم مختلفة تمامًا عن بيئة المدرسة الثانوية. يتوقع الأساتذة في الجامعة الاستقلالية والمسؤولية والمبادرة. نصيحتي الأولى للطلاب بسيطة: خذوا دروسكم على محمل الجد. احضروا المحاضرات بانتظام، واقرأوا ما هو أبعد من المادة الدراسية، ولا تترددوا أبدًا في طرح الأسئلة. الطلاب المتفوقون ليسوا مجرد من يحفظون الكتب الدراسية أو يحصلون على درجات عالية، بل هم من يفكرون بعمق، ويربطون الأفكار، ويتعلمون كيفية تطبيق النظريات على مواقف الحياة الواقعية. معدلك التراكمي مهم، لكن موقفك تجاه التعلم أهم من ذلك بكثير. طوّر عادة الفضول، والشجاعة لتحدي نفسك، والمثابرة على المواصلة حتى في أصعب الظروف.

إلى جانب الجانب الأكاديمي، يُعد التواصل من أقوى المهارات التي يمكن للطالب اكتسابها. إن القدرة على التعبير عن نفسك بوضوح وثقة واحترام، سواءً في الكتابة أو الحوار، تفتح آفاقًا واسعة. يصنف أصحاب العمل مهارات التواصل باستمرار كواحدة من أهم الصفات التي يبحثون عنها. سواء كنت تقدم مشروعًا، أو تكتب تقريرًا، أو تعمل ضمن فريق، فإن كيفية تواصلك تُشكل نظرة الآخرين إليك. يمكن للطلاب صقل هذه المهارة من خلال المشاركة في المناقشات الصفية، وممارسة التحدث أمام الجمهور، والانضمام إلى النوادي الطلابية، وتحسين مهاراتهم الكتابية في السياقات الأكاديمية والمهنية. يتميز المتحدثون المتميزون، سواءً في الحرم الجامعي أو في بيئة العمل.

هناك مجال آخر لا يمكن إغفاله، ألا وهو تكنولوجيا المعلومات. فنحن نعيش في عالم رقمي، حيث التكنولوجيا ليست اختيارية، بل ضرورية. ينبغي على كل طالب، بغض النظر عن تخصصه، أن يتخرج بأساس متين في تكنولوجيا المعلومات. وهذا يعني إتقان أدوات الإنتاجية، وتعلم كيفية إدارة البيانات بفعالية، وفهم كيفية مساهمة الحلول الرقمية في تحسين الكفاءة في كل من البحث العلمي والعمل المهني. واليوم، يشمل هذا أيضًا تعلم كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة إيجابية وأخلاقية. يُحدث الذكاء الاصطناعي تحولات في الصناعات في كل مكان، ومن يستطيع دمجه بحكمة مع الحفاظ على مهارات التفكير النقدي القوية سيحظى بميزة واضحة في سوق العمل.

الجامعة أيضًا تُعنى بالناس، وليس فقط بالكتب. فالصداقات والشبكات التي يبنيها الطلاب خلال هذه السنوات غالبًا ما تدوم مدى الحياة. والمهارات الاجتماعية والتفاعلية لا تقل أهمية عن النجاح. ويُقدّر أصحاب العمل الأفراد القادرين على التعاون، والقيادة بتعاطف، والعمل بروح الفريق. وينبغي على الطلاب اغتنام فرص المشاركة في النوادي اللامنهجية والبرامج التطوعية والمبادرات المجتمعية. فهذه التجارب تُعلّم احترام التنوع والعمل الجماعي والمسؤولية، وهي صفات تُهيئ الخريجين للطبيعة التعاونية لأماكن العمل الحديثة.

إلى جانب هذه المهارات، لا ينبغي الاستهانة بمهارات الاحترافية المهنية أبدًا. يتخرج الكثير من الطلاب بمعرفة تقنية واكاديمية قوية، لكنهم يفتقرون إلى فهمٍ كافٍ لكيفية التصرف في بيئة مهنية. تعني الاحترافية الالتزام بالمواعيد، والمسؤولية، والأخلاق، والقدرة على التكيف. كما تعني التعامل مع المشاريع الجماعية كما لو كانت مهامًا واقعية، وإظهار الاحترام للأساتذة والزملاء، وبناء سمعة طيبة للموثوقية. وعليه، يضمن تطوير عقلية احترافية خلال الجامعة انتقالًا أكثر سلاسة إلى سوق العمل لاحقًا.

ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية عقلية منفتحة. فالعالم يتغير بسرعة، مع أفكار وتقنيات وثقافات جديدة تُشكل كل قطاع. والطلاب الذين يظلون جامدين أو غير راغبين في استكشاف آفاق جديدة يُخاطرون بالتخلف عن الركب. الانفتاح الذهني يعني الفضول والمرونة والاستعداد للتعلم المستمر. إنه يتعلق بالتفاعل مع وجهات النظر المختلفة باحترام، وتقبّل التغيير، والقدرة على التكيف بما يكفي لإعادة ابتكار الذات عند الحاجة. في الأردن، يتعين على شبابنا التنافس ليس محليًا فحسب، بل أيضًا إقليميًا وعالميًا، وبالتالي فإن الانفتاح الذهني ليس ترفًا، بل ضرورة.

الإرشاد أداةٌ أخرى فعّالةٌ للنمو، وإن كانت غالبًا ما تُغفل. يُمكن للمرشد الجيد - سواءً أكان أستاذًا جامعيًا أم زميلًا أقدم أم خبيرًا في مجالك - أن يُحدث فرقًا هائلًا في رسم مسارك المهني. يُقدّم المرشدون الحكمة والتشجيع والنصائح العملية، ويساعدونك على تجنّب الأخطاء، وبناء الثقة، وربطك بالفرص. لكن إيجاد مرشد يتطلب التواضع والمبادرة: الرغبة في طلب التوجيه، والإنصات بانتباه، والتعلّم من تجارب الآخرين. ينبغي على الطلاب البدء ببناء هذه العلاقات مُبكرًا، لأن الإرشاد والاكتساب من تجارب الاخرين غالبًا ما يُصبح من أهمّ الأصول في رحلتهم.

إلى الطلاب الذين يلتحقون بالجامعات الأردنية هذا الخريف: مستقبلكم يبدأ الآن. أنتم على أعتاب إحدى أكثر مراحل حياتكم تحوّلًا. خذوا دراستكم على محمل الجد، لكن تذكّروا أن الدرجات وحدها لن تُحدّد مستقبلكم. سوق العمل في الغد يتطلّب المزيد: تواصل قوي، وثقافة رقمية، واحترافية، وذكاءً اجتماعيًا، وقدرة على التفكير بانفتاح وتكيّف. قم بتطوير هذه المهارات إلى جانب معرفتك الأكاديمية، ولن تتخرج بشهادة جامعية فحسب، بل ستتخرج كقائد مستعد لمواجهة العالم.

بصفتي شخصًا أمضى ٢٥ عامًا في العمل مع الطلاب، فقد رأيتُ بنفسي الفرق الذي تُحدثه هذه المهارات. أنجح الخريجين ليسوا دائمًا من يحصلون على أعلى الدرجات، بل هم من يجمعون بين التفوق الأكاديمي والنمو الشخصي والمهني. آمل أن يتبنى هذا الجيل الجديد هذا النهج الشامل، ليس فقط من أجل نجاحهم الشخصي، بل أيضًا من أجل تقدم الأردن ومنطقتنا. رحلتكم تبدأ اليوم. اغتنموها على أكمل وجه.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد