ماسك ومصيدة الذباب عبر الفضاء الرقمي

ماسك ومصيدة الذباب عبر الفضاء الرقمي

29-11-2025 02:53 PM

*موقع إكس وتسونامي التضليل
وأخيراً تم بفضل صائد الذباب "ألين ماسك" الكشف عن زيف حسابات وهمية لمشاهير متصهينين كانوا قد طمّوا الفضاء الرقمي بالتضليل الذبابي؛ حيث درجوا على اقتفاء أثر المقاومة وشمطها كيفما شيْء لهم بالنقد المجحف، ورجمها بتهمة التصهين كونها- في نظرهم- جلبت الدب إلى كرم غزة وتركته يرتكب جرائم الإبادة، وكأن تَرْكَ سلطة أوسلو الحياض في الضفة الغربية دون تحريك ساكن من قبل الأجهزة الأمنية، أو تجاهل الشرع (الجولاني) لاحتلال جنوب سوريا (القنيطرة) من قبل اللصوص ومنتهكي الأعراض الصهاينة دون مقاومة إنما هي واقعية ودهاء سياسي وتدبر حكيم وفق التضليل الإعلامي الذي يسعى مروجوه لترسيخه عوضاً عن المهانة الحقيقية التي ترافق المتخاذلين المتخبطين في غيّهم!
ليدرك مثيرو الفتن أخيراً بأنهم أصبحوا رهائن في مصيدة السجّان الرقمي، الجنرال السيبراني ألين ماسك.. وقد تصالبت عليهم تهمة "الذباب الإلكتروني" كون تغريداتهم على منصة "إكس" التي درجوا على إصدارها من دولٍ مختلفةٍ في أرجاء الأرض، وبحسب ما تضمنته بيانات صفحاتهم الرسمية، إنما مبعثها الكيان الإسرائيلي، كجزء من مهام الوحدة 8200 التابعة للشاباك، وربما من مصادر ضد المقاومة في محيطنا العربي ومحسوبة على سلطة التنسيق الأمني "المقدس" وفق تعبير رئيسها عباس.
والهدف من الرسائل التضليلية التي ينشرها الذباب الإلكتروني المتصهين والمنتشر بيننا هو بث الفتن الطائفية والجهوية وتعزيز "السردية الإسرائيلية" التي فككها طوفان الأقصى منذ السابع من أكتوبر 2023، بعدما حققت السردية الفلسطينية أهدافها، واستعادت طاقتَها الإيجابية في عقول الأجيال الجديدة.
علماً بأن غزةَ نجحت في تغيير العالم لصالح حقوق الشعب الفلسطيني عبر تغريدات نشطاء فلسطينيين بثوها موثقةً بالصوت والصورة، من قلب الحدث في غزة فسجّلوا شهاداتهم باحتراف، وقد اجتاحت الفضاء الرقمي، وعلى إثرها خرجت مَسٍيراتٌ جابت العواصم العالمية وهي تهتف لفلسطين الحرّة، ونجم عن ذلك أن جُرِّمَتْ"إسرائيلُ" في محكمتي العدل والجنايات الدوليتين، لا بل شهدت منتجاتها ونشاطاتها المتنوعة مقاطعة استثنائية من خلال حركة مقاطعة المنتجات الإسرائيلية، وهي جزء من حركة عالمية أوسع تُعرف بحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)، وتهدف إلى الضغط على "إسرائيل" وعزلها للالتزام بالقانون الدولي.
*ماسك صائد الذباب
فكيف نزع صاحب موقع إكس الداهية ألين ماسك هذه الأقنعة رغم أنه مُجَيّرٌ لخدمةِ الأجندةِ الإسرائيليةِ ومن يواليها؟ هذا إذا تمكن من الصمود إزاء ما سيتعرض له من ضغوطات متصهينة من شأنها لو نجحت إيقاف قراره الكاشف للخبايا!
لطالما نبَّهْنا إلى مباعثِ السموم التي يبثها الذباب الإلكتروني المتصهين في الفضاء الرقمي والساعي إلى تحقيق عدة أهداف أخطرها:
- خلط الأوراق وتضليل الرأي العام العالمي تجاه قضايا أمتنا المصيرية والتمهيد لقبول فكرة مشروع "إسرائيل الكبرى وبالتالي التشكيك بالحدود التي وضعتها اتفاقية سايكس بيكو وفق ما كرره المبعوث الأمريكي توم باراك في مناسبات عديدة.
- بذر الفتن في حرث الأمة التي تتحاذفها السياسات المشبوهة والمجيرة في الغالب للعدو الإسرائيلي المتربص بها منذ نكبة عام 1948.
- التغطية على ما رشح من أخبار إسرائيلية حول نية "إسرائيل" في الهجوم المباغت على قطاع غزة قبل طوفان الأقصى لاجتثاث المقاومة وفتح الأبواب أمام بقية دول الخليج العربي؛ لإبرام الاتفاقية الإبراهيمية... وكأن الشروط تذللت ميدانياً بقوة الأمر الواقع, وفقاً للقناة 12 العبرية... التي كشفت ما دار في إحدى جلسات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، مع رئيس الشاباك الذي قال: "يجب القضاء على السنوار لأنه يشعر بحرية كبيرة في التحرك". فردّ هاليفي: "يجب تنفيذ هجوم واسع واستباقي." .
ولكن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن، فقد فاجأ السنوار بدهائه الاستراتيجي المتفرد، المشروع الإسرائيلي بضربة الطوفان الاستباقية، ما مكّن غزة التي تتعرض لحرب إبادة على تغّير العالم نظراً لما قدمته من ضحايا وأبدته من صمود إسطوري، والتفاف حول المقاومة العتيدة، وذلك لصالح حقوق الفلسطينيين في عالم تزدوج فيه المكاييل.
- تسعى الرواية الإسرائيلية إلى شيطنة الفلسطيني المقاوم، ومسح أي أثر لقضيته العادلة وترسيخ الكيان الإسرائيلي كحقيقة دامغة في العقل الفلسطيني المستسلم للأمر الواقع والذي يعتبر المقاومة مجلبة للدمار.. لكن طوفان الأقصى ساعد غزة الصامدة على نزع الأقنعة والكشف عن النوايا المتآمرة؛ وبالتالي إعادة تعريف من هو الصهيوني بغض النظر عن قوميته ودينه.. وعليه، فقد انتشر الذباب الإلكتروني المتصهين ليعبر عن هذه الحالة، حتى استشرى أكثر في شيطنته للمقاومة في غزة.
- التشكيك في قرارات المقاومة التفاوضية لإحراج مواقفها التكتيكية والاستراتيجية، وخاصة بعد تحفظات الفصائل على قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2803 الصادر في 17 نوفمبر 2025 والمُسْتَلْهَمُ من خطة ترامب- التي وافقت حماس على خطوطها العريضة- حيث أقرّ مجلس الأمن بإنشاء "مجلس السلام في غزة" باعتباره هيئة إدارية انتقالية ذات شخصية قانونية دولية تتولى وضع إطار العمل وتنسيق التمويل لإعادة تنمية غزة وفقاً للخطة الشاملة... بعد تنفيذ برنامج إصلاح السلطة الفلسطينية بأمانة وإحراز تقدم في عملية إعادة التنمية في غزة.. فيما قد تتوافر الظروف أخيرا لتهيئة مسار موثوق يتيح للفلسطينيين تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية.. وأقر المجلس بإنشاء قوة دولية للسيطرة على قطاع غزة أمنياً.
ويفهم من ذلك بحسب تحفظات الفصائل التي أججت الذباب الإكتروني المتصهين، بأن القرار ملغم بالفخاخ، وذلك على النحو التالي:
- فصل مسار غزة التفاوضي عن الضفة التي تنتهك في وضح النهار دون أن تحرك أجهزة أمن السلطة ساكناً إزاءها.
- جاء القرار لترسيخ مطالب ترامب في خطته بنزع سلاح المقاومة، وتجريد الشعب الفلسطيني من حقه المشروع بالمقاومة المرتبط بوجود الاحتلال، وفق اتفاقيات جنيف وتعديلاتها البروتوكولية لعام 1977.
مع أن جميع الفصائل الفلسطينية أقرت في اجتماعها الأخير بالقاهرة عقب قمة السلام في شرم الشيخ أكتوبر 2025، بما فيها فتح وحماس، بتسليم هذا السلاح لدولة فلسطينية مستقلة، وليس وفق الرؤية الإسرائيلية الأمريكية التي تسعى لاجتثاث المقاومة، في أجواء يشيطن فيها الذباب الإلكتروني تلك المقاومة التي تحاصر "إسرائيل" عالمياً فيما تتعرض لحصار رسمي ومن قبل سلطة أوسلو ورموزها بضغوطات أمريكية .
- الترويج لرؤية سلطة أوسلو بشأن اليوم التالي لانتهاء الحرب في غزة.. وكان من المفروص انصياع السلطة الفلسطينية لإرادة الفصائل وفق اتفاقها في القاهرة بضرورة إجراء الانتخابات المجمدة منذ عام 2007.. الاتفاق الوحدوي الذي خالف عباس مخرجاته بإعلان تنصيب رجل " التنسيق الأمني" حسين الشيخ نائباً للرئيس، ما سيضع أي مفاضات مع الاحتلال على محك التنازلات الجارية من قبل سلطة أوسلو في كافة الملفات.
وكان الذباب يركز على أن الشيخ هو رجل غزة القادم لإدارة التنمية في القطاع، واعتبار سياسة عدم الانجرار إلى مواجهة العدوان الإسرائيلي على الضفة الغربية حكمة سديدة وحقناً للدم الفلسطيني المراق.. وكأن الدفاع عن الكرامة تهور وفناء!
لا بل أن الذباب الإلكتروني ركز أيضاً على إخراج حماس من المعادلة، ونزع سلاحها وكأنها تعبر عن معارضةٍ فلسطينيةٍ ضد مشروع المقاومة؛ ليكشف "ماسك" السر الذي أعاد هذه الأصوات إلى حناجرها الإسرائيلية في سياق نشاطات الشاباك عبر الفضاء الرقمي.

*ماسك ومصيدة الذباب عبر الفضاء الرقمي
ما فعله ماسك من خلال تطويره لخوارزميات منصة "إكس" ، هو أنه قلب الطاولة على المضللين، وحدد منطلقات تغريداتهم المكانية.
فقد أضاف ميزة جديدة تعرض معلومات إضافية عن حسابات المستخدمين، من بينها -وهو الأهم- الموقع الجغرافي المرتبط بخوادم الاتصال، لتفضح حسابات إسرائيلية دأبت على شن حملات تضليلية رقمية واسعة منذ 25 شهراً تهدف إلى إنكار جرائم الاحتلال في غزة والطعن في مصداقية السردية الفلسطينية التي اكتسبت ثقة العالم بتسارع أربك الحسابات الصهيونية في العالم.
وبحسب مواقع تقنية متخصصة مثل "تيك كرانش" و"ذا فيرج"، فإن الميزة الجديدة "لا تعتمد على موقع المستخدم الفعلي فقط"، بل على مؤشرات شبكية متعددة تشمل عناوين (IP) السابقة، وطبيعة الاتصال، ووجود خوادم وسيطة أو استخدام تطبيقات الشبكات الخاصة الافتراضية (VPN).
وكدأبها فقد استغلت المواقع الإسرائيلية ما قامت به ميزة "ماسك" من كشف للمستور، بشن حملة تشكيكية ضد حسابات مؤيدة للمقاومة وفي مقدمتهم مؤثرون وناشطون يوثقون القصف والمعاناة اليومية، زاعمة أنهم "أشخاص مزيفون" لا صلة لهم بالواقع الميداني.
هذه الميزة أظهرت بأن هناك حسابات رسمية أمريكية مبعثها "إسرائيل".. ففي الولايات المتحدة، انتشر ادعاء بأن وزارة الأمن الداخلي (DHS) تدير حسابها الرسمي من تل أبيب.
ومن الطبيعي أن يرد رئيس قسم المنتجات في "إكس"، نيكيتا بير، التهمة رغم البيانات الدامغة التي تكذبه.

*ضغوطات لإلغاء الخاصية
وتشير الشواهد إلى أن منصة "أكس" تتعرض لضغوطات هائلة من قبل أصحاب الحسابات المزيفة وخاصة التي تبث من "إسرائيل" لإلعاء الميزة، ويمكن استشفاف حجمها من خلال إقرار إدارة "إكس" في تصريحات منشورة، بوجود أخطاء في بيانات الميزة، فضلاً عن خلل في آلية عملها خلال الأيام الأولى من إطلاقها، إذ تعهدت الشركة بإضافة إيضاحات وتحذيرات تبين للمستخدمين أن المعلومات المعروضة "قد لا تعكس الموقع الحقيقي وأنها عرضة للتغير"، وفقاً لهذه المواقع.
حتى أنه أشيعت أخبار بأن منصة "إكس" تمهد لإيقاف الميزة لخطورتها على "إسرائيل" وحلفائها.
فهل يغير ألين ماسك "الميزة" بعد أن أزال أقنعة الزيف عن عملاء "إكس"، خاصة المساندة للرواية الإسرائيلية التي يُعْتَبَرُ "مساك" من أهم داعميها، فضلاً عن المنصات المنافسة الأخرى.. بعد أن تبوأت السردية الفلسطينية مكانتها التي تليق بها بين الأمم.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد