حكي قروي: بعد الأربعين يا رب تعين

حكي قروي: بعد الأربعين يا رب تعين

29-11-2025 02:30 PM

خلونا نحكي بالعامية في جلسة ودّية على فنجان قهوة. نبتعد عن تجمعات النساء والتمكين والصحافة وفندق خمسة نجوم. هدفنا حوار هادف مع بنات أردنيات من حارتنا، اللي مثلنا تعال لعندنا. حوار عميق، ليس بسياسي ولا اقتصادي ولا ديني، ولم يخرج عن نطاق حدودنا.

اقترب منا كثير من ما ذكر، لكن جمعنا رأي واحد: تذكّرين لما كانت أمّهاتنا وجِدّاتنا تتزوج في عمر 16 عاماً، والذكور في عمر 18 عاماً؟ هذه كانت في الستينات والسبعينات والثمانينات. أيام كان الولد يخطّ شاربه والبنت تصير صبية على أول عريس يتقدّم إليها. وفي مقولة تُقال: عناك بأول سومة.

الروايات كانت تؤكّد حديثنا. حتى الأرملة تتزوج والمطلقة ويتسابقون عليها بالزواج. ويُعدّ من المخجّل للفتاة أن تكون عمرها عشرين عاماً ولم تتزوج، وتُصنّف بـ"عانسة". في ذلك الزمن كان عدد سكان الأردن نحو مليون ونصف، وكان الاعتماد في العمل على الزراعة والحصيدة والإنتاج المحلي اليدوي، أو الالتحاق بالجيش الأردني.

كانت الحياة بسيطة: الزوجة تعيش في منزل واحد يضم جميع أفراد عائلة الزوج حتى مع السلف، وتُسمّى الأسرة الممتدة. يتقاسمون الواجبات المنزلية من عجن الخبز وغسل الغسيل اليدوي والطبخ وغيرها. لكن الأمر اختلف بعد 1985 مع توسيع التعليم وتزايد فرص العمل والتحضر.

بسبب التحاق الطلاب بال تعليم تأخر الزواج، وأصبح متوسط سن الزواج 22 عاماً للفتيات و24 عاماً للشباب. لكن مع تغير قوانين الزواج، أصبح الزواج في عمر 18 عاماً فما فوق لكلا الطرفين. الفارق أن ارتفاع نسبة الزواج أدى إلى ارتفاع نسبة السكان.

حتى في مواقف طريفة قد تكون الابنة حامل وأمها في نفس العام، وتكررت هذه الحالات. الزواج المبكر كان طبيعياً في ذلك الوقت، وينجب الأبناء حتى يصبح الأب في الأربعينات والأم في الثلاثينات ولديهم أحفاد، وعدد أفراد الأسرة يتجاوز العشرة.

رغم بساطة العيشة، كانت فرص العمل أكبر داخل الأردن وخارجه، خاصة في دول الخليج. من هنا بدأت الاستقلالية في العيش: منزل لكل عائلة وأثاث ومتطلبات أخرى. وهذا أثر في الحياة الاجتماعية. ونتذكر من حصل على فرصتين من الوظائف الحكومية في الأردن.

وصلنا إلى ما بعد عام 1990، وكانت نسب زواج الأقارب 56% ثم انخفضت تدريجياً مع انتشار الثقافة وتحسين الصحة والإنجاب الصحي. في تلك الفترة كانت الرفاهية متاحة، والعمران والزواج أقل كلفة، والخير من الأرض. الطموحات كانت بسيطة.

من عام 2010 بدأت حياة التحضر تأخذ زاوية أخرى فالتوجه صار إلى المدينة ومغادرة القرى. ارتفع الاهتمام بالتعليم، وزادت أعمار الزواج بعد العشرين للفتاة. ثم جاءت جائحة كورونا في 2020 وضربة الاقتصاد حتى 2024.

نسبة الزواج العادي والمكرر بلغت 39.6% بسبب البطالة وغلاء المعيشة وارتفاع سن الزواج. لكن ليس من المستغرب أن نسبة العازبات وصلت نحو 45%، ومليون فتاة تجاوزت 35 عاماً ولم تتزوج، وهذا ينعكس على الذكور أيضاً.

أما حالات الطلاق فبلغت نحو 14 ألفاً في العام الماضي، وهذا يوجع الأسر ويقلل المواليد الجدد. وفي واقع من يحصل على وظيفة حكومية الآن يتجاوز عمره الأربعين. من هنا يبدأ الحلم بالحياة كما يتمنّا المواطن في سن متأخر.

بعد العمل في القطاع الخاص قد يحصل عليه أو يعمل في حرفة معينة أو خارج الأردن بفرص أقل. وهنا الحياة تكون مختلفة: الإنسان الطبيعي بعد التخرّج من الجامعة يفترض أن يعمل في وظيفة حكومية، وبعد التقاعد يعمل في القطاع الخاص ليستغل خبرته أو يستثمر أو يرتاح. أما زمن الشقلبة، فالشاب يقضي عمره بعيداً عن تخصصه، ويتأجل الزواج حتى يرى وظيفة مناسبة، ثم يبدأ العيش لعائلته. وبعد الأربعين يا رب تعين.

ماذا بقي من العمر؟ لكنها كل الأشياء في العالم تتغير: المناخ يتغير، التطور التكنولوجي يتغير، التعليم والثقافة وتكوين الشخصية تتغير. وقد لا نجد عملاً يوماً ما مع تطور الذكاء الاصطناعي. وربما تختفي فكرة الزواج تدريجياً.

لكن تذكّرت موقفاً طريفاً قويّاً: حديث الرئيسين الصيني والروسي قبل أشهر عن إطالة عمر الإنسان إلى 150 عاماً باختراع زراعة الأعضاء والأدوية، وأن عمر الستين عاماً سيكون في عمر الشباب. يا رب تعين.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد